و في حديث آخر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران) [14] . وفي هذا الحديث جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسلوب الترغيب لأهل الكتاب منهجًا في دعوته حيث أخبرهم أن الذي آمن بنبيه وآمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - له أجران، وكذلك يرى الكتابي أنه له مزية على المشرك حيث كان للمشرك أجر واحد، فيعلم بذلك أن الإسلام يقدر الأديان السابقة ويرفع من شأنها.
المطلب الثاني: دعوة اليهود بوجه خاص:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (انطلقوا إلى يهود، فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس [15] ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فناداهم يا معشر يهود إسلموا تسلموا فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال ذلك أريد، ثم قالها الثانية، فقالوا قد بلغت يا أبا القاسم، ثم قال الثالثة، فقال: إعلموا أن الأرض لله ورسوله وإني إريد أن أجليكم فمن وجد منكم بماله شيئًا فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله) [16] . والظاهر أن هؤلاء بقايا من اليهود تأخروا بعد إخراج قبائل اليهود الثلاثة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، لأن القبائل الثلاثة أجليت من المدينة قبل إسلام أبي هريرة - رضي الله عنه - [17] .
في هذا الحديث تصريح منه - صلى الله عليه وسلم - لليهود بالدعوة وإخباره لهم أن سلامتهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة في إسلامهم واتباعهم لما جاء به من عند الله، أي تسلموا في الدنيا من القتل وفي الآخرة من العذاب [18] . وقد أخذ - صلى الله عليه وسلم - الاعتراف من اليهود بأنه بلغهم رسالته، وهذه دلالة على دعوته الخاصة لهم.
المطلب الثالث: دعوة النصارى بوجه خاص:
قال - تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (آل عمران- آية 61) .
إن أسلوبه - صلى الله عليه وسلم - إما ترغيب أو ترهيب، في هذه الآية يتحدى - صلى الله عليه وسلم - نصارى نجران بأن يتركوا كلامهم عن ألوهية عيسى وذلك بالتضرع إلى الله - تعالى -أن ينزل لعنته على الكاذبين، وهذا من حرصه - صلى الله عليه وسلم - أن يدخلوا الإسلام، ولكن النصارى لم يأمنوا عاقبة الملاعنة فتركوها ورضوا بالجزية [19] . رغم أنهم اعتقدوا بصدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، لذلك لم يباهلوا بل فروا منه ولم يؤمنوا ويدخلوا في الإسلام.
المبحث الثاني: أسلوبه - صلى الله عليه وسلم - في دعوة أهل الكتاب:
المطلب الأول: حلمه وصفحه - صلى الله عليه وسلم:
إن الحلم عن أهل الكتاب والصفح عن زلاتهم ولين الجانب معهم أسلوب حكيم من أساليبه - صلى الله عليه وسلم - لهم وسبب في دخولهم الإسلام، وقد امتثل - صلى الله عليه وسلم - أمر ربه حيث أمره بذلك في قوله: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيرا، وأن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) (سورة آل عمران- آية 186) .
و في الآية خطاب للمؤمنين عند مقدمهم قبل واقعة بدر تسلية لهم عما ينالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين وأمرًا لهم بالصفح والصبر والعفو حتى يأتي فرج الله. قال ابن حاتم إن أسامة بن زيد قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتأول العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم) [20]
و في آية قرآنية أخرى يحذر الله - تعالى -عباده المؤمنين من سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب ويعلمهم بعداوتهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم، ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال حتى يأتي أمر الله من النصر أو الفتح [21] . قال - تعالى -في المعنى السابق: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) (سورة البقرة-آية109) .
و من حلمه - صلى الله عليه وسلم - على أهل الكتاب أنه استلف تمرًا من يهودي إلى أجل معلوم، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة، فلما وضع الميت في قبره قام اليهودي فقال: يا محمد ألا تقضيني تمري؟ فو الله ما أعلمكم يا بني عبد المطلب إلا تمطلون الناس بحقوقهم. فهمَّ عمر - رضي الله عنه - بضرب اليهودي، فقال له - صلى الله عليه وسلم: ياعمر أنت إلى غير هذا أحوج، أن تأمره فيحسن طلبه، وتأمرني فأحسن قضاءه. ثم أمره أن يذهب إلى حائط أحد الإشخاص وأن يكيل له بعد رضائه ثم يزيد كذا صاعًا لتعنيف سيدنا عمر إياه. فقال اليهودي لعمر: إنه لم يكن بقي شيئ مما وجدنا في كتابنا مما وصف لنا موسى - عليه السلام -، إلا قد رأيناه في محمد - صلى الله عليه وسلم -، إلا الحلم فقد رأيناه الآن، فشهد شهادة الحق وآمن، ثم مات اليهودي فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فحمل سريره على عاتقه الأيسر [22] رغم تجاوز هذا اليهودي في سبه - صلى الله عليه وسلم - ثم سب بني عبد المطلب جميعًا، وطلب دينه في وقت غير مناسب، إلا أنه - صلى الله عليه وسلم - كان حليمًا بهذا اليهودي، لذلك كان رد الفعل إسلامه الفوري. وهذا أسلوب حكيم للرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أهل الكتاب لدعوتهم لدخول الإسلام.