الصفحة 2640 من 3812

المطلب الثاني: إظهار المعجزة لأهل الكتاب طمعًا في إيمانهم:

إن الله - سبحانه وتعالى-قد أعطى بعض أنبيائه من البينات (المعجزات) وذلك لتصديقهم فيما جاءوا به. وقد أيد الله - سبحانه وتعالى-نبيه موسى - عليه السلام - بتسع آيات: العصا واليد والسنين ونقص من الثمرا ت والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه وخوارق ودلائل على صدق موسى - عليه السلام -، وكذلك أعطى عيسى بن مريم - عليه السلام - إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وإبراء الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده بروح القدس وهو جبريل - عليه السلام - ما يدل على صدقه فيما جاءهم بهي.

أما النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - كانت معجزته الكبرى القرآن، إلا أنه كان يظهر لأهل الكتاب بعض المعجزات التي كانت تتحقق على يديه علهم يؤمنون به كما آمنوا بأنبيائهم السابقين موسى وعيسى - عليهم السلام -.

روى ابن عباس - رضي الله عنهما -، أنه حضرت عصابة من اليهود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألوه عن أربعة أشياء لا يعلمهن إلا نبي كما ذكروا له ذلك وهي: الطعام الذي حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وماء المرأة وماء الرجل كيف يكون منه الذكر والأنثى، وإخبار هذا النبي الأمي في النوم ووليه من الملائكة، وقد أخذ عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - المواثيق والعهود إذا أجابهم وفق ما يعلمون أن يدخلوا الإسلام، وكانت الإجابة أن يعقوب - عليه السلام - مرض مرضًا شديدًا وطال سقمه فنذر نذرًا لئن شفاه الله - تعالى -من سقمه ليحرمن أحب الشراب وأحب الطعام إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها. والإجابة الثانية أن ماء الرجل أبيض غليظ وأن ماء المرأة أصفر رقيق فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله. والإجابة الثالثة أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه، فالإجابة الأخيرة أن جبريل هو ولي الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجميع الأنبياء.

و في هذا الحديث يبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأهل الكتاب بعض المغيبات التي لم يحضرها ولم يقرأ عنها وإنما هي وحي يوحى إليه، وأخبرهم بما سألوه عنه طبق ما يعلمون في كتبهم السماوية المنزلة على أنبيائهم ليؤمنن به وليتبعنه. ولكن اليهود حاولوا التخلص من العهد الذي التزموا به مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجة بغضهم لجبريل - عليه السلام - [23] ، قال - تعالى -فيهم: (قل من كان عدوًا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقًا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين) (سورة البقرة- آية97) .

المطلب الثالث: إثبات موافقة الشريعة الإسلامية لما في التوراة:

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبين لأهل الكتاب أن كتابه الذي أنزل عليه توافق أحكامه أحكام الكتاب الذي أنزل على موسى - عليه السلام -، فإذا تحقق التوافق حينئذ فإنه رسول من عند الله صدقوا برسالته ودخلوا في دين الإسلام.

قال ابن عمر - رضي الله عنهما: (إن اليهود جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكروا أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم:(ما تجدون في التوراة في الرجم؟) فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام كذبت إن فيها الرجم)، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، قال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم. قالوا صدقت يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجما، فرأيت الرجل ينحني على المرأة يقيها الحجارة) [24]

و في هذا الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقنعهم أن كتاب الله الذي أنزله على نبيهم موسى - عليه السلام - يوافق كتابه الذي أنزله في شأن الرجم على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا أسلوب لدعوته - صلى الله عليه وسلم - أهل الكتاب لدخول الإسلام.

قال الإمام ابن حجر في قوله - صلى الله عليه وسلم: (ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟) قال الباجي: (يحتمل أن يكون علم بالوحي أن الحكم بالرجم فيها ثابت على ما شرع لم يلحقه تبديل، ويحتمل أن يكون علم ذلك بإخبار عبدالله بن سلام وغيره ممن أسلم منهم على وجه حصل له به العلم بصحة نقلهم، ويحتمل أن يكون إنما سألهم عن ذلك ليعلم ما عندهم فيه ثم يتعلم صحة ذلك من قبل الله تعالى) [25]

المطلب الرابع: موافقة أهل الكتاب فيما ليس فيه نص:

كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب موافقتهم في الأمور التي لم يؤمر فيها بشيء، وذلك تألفًا واستعطافًا لهم على هذا الدين الحنيف، ذلك لأنهم إذا رأوه يتعبد بالأحكام التي يعلمون أنها تشريع سماوي أنزله الله على نبي من أنبيائه كتعبده بما يتفق مع ما في التوراة المنزلة والإنجيل، عملوا أن مصدر التشريع الذي عندهم والذي عنده واحد هو الله - سبحانه وتعالى-، وعلى ذلك يجب أن يراجعوا أنفسهم فيما هم عليه من التكذيب والعناد والجحود، فيؤمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -.

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسئلوا عن ذلك فقالوا:(هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيمًا له) ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (فأنا أحق بموسى منكم) فصامه وأمر بصيامه) [26]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت