الصفحة 2641 من 3812

و عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه [27]

و في هذا الحديث اتضح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وافق أهل الكتاب في أفعالهم حتى يخالف أهل الأوثان، فلما أسلم أهل الأوثان الذين معه والذين حوله واستمر أهل الكتاب على كفرهم تمحضت المخالفة لأهل الكتاب ثم فرق - صلى الله عليه وسلم - رأسه.

المطلب الخامس: إباحته ذبائح أهل الكتاب ونكاح نسائهم:

كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتثالًا لقول الله - سبحانه وتعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامهم حلٌّ لكم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين) (المائدة: الآية 5) قد أباح لأمته ذبائح أهل الكتاب دون باقي ملل الكفر، وهذا يعني إذا كان بين المسلمين وأهل الكتاب مبادلة في التجارة، يحصل الاختلاط بينهم، ولا شك أن هذا مدعاة لدخولهم الإسلام. وعن عبد الله بن مغفل - رضي الله عنه - قال: أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، قال: فالتزمت فقلت: لا أعطي أحدًا اليوم من هذا شيئًا، فقال: فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبتسم [28] .

قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث، وفي هذا إباحة أكل طعام الغنيمة في دار الحرب، وقال القاضي: (و أجمع علماء الإسلام على جواز أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون في دار الحرب فيأكلون منه قدر حاجتهم، ويجوز بإذن الإمام وبغير إذنه. ولم يشترط أحد من العلماء استئذانه إلا الزهري، وجمهورهم على أنه لا يجوز أن يخرج معه شيئًا إلى عمارة دار الإسلام فإن أخرجه لزمه رده إلى المغنم) [29]

و كذلك أباح الإسلام مصاهرة أهل الكتاب والتزوج من نسائهم مع ما في الزواج من سكن ومودة ورحمة. وهذا يجوز مع الذين لم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم ولم يظاهروا على إخراجهم كالنساء والضعفة، أما المعتدين فيجب معاداتهم وعدم موالاتهم [30]

قال - تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ولم يظاهروا على إخراجكم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) (سورة الممتحنة: الآيات 8-9) .

الطلب السادس: قبول الهدية من أهل الكتاب:

لا شك أن قبول الهدية فيه نوع من التقارب، وكلما زاد التقارب بين قوم سهلت دعوتهم. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية من أهل الكتاب ولا يقبلها من غيرهم من المشركين، وهذه خصوصية لهم ربما تدفعهم إلى الدخول في الإسلام.

و عن عياض بن حمار - رضي الله عنه - قال: أهديت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ناقة فقال: أسلمت؟ فقلت: لا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إني نهيت عن زبد المشركين) [31] .

و عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن أكيدر دومة وهو من أهل الكتاب أهدى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثوب حرير فأعطاه عليًا فقال: (شققه خمرًا بين الفواطم) [32] .

المطلب السابع: وصيته - صلى الله عليه وسلم - على أهل الذمة:

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أوصى على أهل الذمة والكتاب، وهدد بالوعيد الشديد على من نقض عهدهم، حتى أنه توعد أصحابه بأن من قتل معاهدا في غير وقته الذي يجوز قتله فيه حرّم الله عليه الجنة، وهذا من حرصه - صلى الله عليه وسلم - على دعوة أهل الكتاب.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وأن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا) [33] .

و كان - صلى الله عليه وسلم - لا يرضى أن يمس أهل الكتاب ظلم ولو كان من أصحابه، سواء كان هذا الظلم اعتداءًا على أنفسهم أو أموالهم.

عن العرباض بن سارية السلمي - رضي الله عنه - قال: (نزلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلعة خيبر ومعه من معه من المسلمين، وكان صاحب خيبر رجلًا ماردًا متكبرًا، فأقبل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا محمد ألكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمرنا وتضربوا نساءنا؟ فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال:(يا ابن عوف اركب فرسك ثم ناد إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن، وأن اجتمعوا إلى الصلاة) فاجتمعوا، ثم صلى بهم ثم قام فقال: (أيحب أحدكم متكئًا على اريكته قد يظن أن الله - تعالى -لم يحرم شيئًا إلا ما في القرآن، ألا أني والله وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء وإنها لمثل القرآن أو أكثر، وأن الله - تعالى - لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم إذا أعطوا الذي عليهم) [34] .

المطلب الثامن: إخبار الصحابة بما ينتظر اليهود من عذاب:

لا شك أن الدعوة إلى الله - عز وجل - تشتمل على الإنذار والتبشير، والوعد والوعيد، لذلك أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن اليهود تعذب في قبورها، فأنذرها من عذاب القبر، لأن عذاب دلالة على عذاب الآخرة وهي يدل على حرصه لدخولهم الإسلام.

عن أبي أيوب الإنصاري - رضي الله عنه - قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد وجبت الشمس فسمع صوتًا فقال: (يهود تعذب في قبورها) [35] .

الخاتمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت