الصفحة 2653 من 3812

وإن من أعظم أسباب الانتصارات التي أكرم الله بها سلفنا الصالح بعد إيمانهم بالله واتباعهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - اجتماع قلوبهم على الحق ونبذ الفرقة والخلافات التي كانت تحدث بينهم ولذلك نجد أن الأخوة والمحبة التي كانت بينهم مازالت مثلًا عاليًا يتأسى به كل من أراد أن يعيش معنى الأخوة الحقيقية التي لا تقوم على أي مصلحة دنيوية زائلة ولذلك قال - تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} .

فلو أنك وجدت إيمانًا بغير أخوه فاعلم أنه إيمان ناقص ولو أنك وجدت أخوه بغير إيمان فاعلم أنها تبادل مصالح.

فتعالوا بنا نتعايش بقلوبنا مع معنى الأخوة الحقيقية التي عاشها سلفنا الصالح وهيا بنا لنبأ صفحة جديدة من الترابط والاجتماع على الحق الذي نحيا عليه ومن أجله لتصبح الأمة كلها كالجسد الواحد الذي يقف في وجه أي عدوان على الإسلام والمسلمين في أي مكان.. وهنا يعود للإسلام مجده وتعود عزته وتعلو راية (لا إله إلا الله) خفاقة عالية لتعانق كواكب الجوزاء..

فلقد قال - تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ..

فيا خير أمة عودوا إلى الله واعتصموا بحبل الله لترجعوا مرة أخرى {خير أمة أخرجت للناس.. }

صور من عداء المشركين للدعوة

معن عبد القادر

مقدمة:

وقف المشركون من دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موقفًا لا يتغير في جوهره وهدفه، فهو العداء المستحكم، والسعي الحثيث إلى قتل الدعوة في مراحلها المختلفة، إلا أن هذا الهدف قد ظهر في صور متعددة تتخذ مرحليّة جلية في العداء.

وهذا المقال يلقي الضوء على أهم تلك الصور، ويشير إلى المرحلية التي سلكها المشركون في العداء، معرجًا على موقف أهل الحق - متمثلين في رسول الله وصحبه - من هذه الصور المختلفة.

1-مرحلة عدم الاكتراث بالدعوة: بدأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة منذ أن نزل عليه (يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ) وكانت دعوته في بادىء الأمر سرية، ولا يُفهم من ذلك أن المشركين في تلك الفترة لا يعلمون عن محمد ودعوته شيئًا، لكن حيث جاء الرسول بما يخالف ما عليه القوم مخالفة كلية، وحيث علم أنه ليس من السهولة أن يلتف الناس حوله إذا جهر بالدعوة بينهم مجتمعين، فقد كان يتخير من يتوسم فيه القبول فيسرُّ له بآمر الدعوة، وهكذا خفي على المشركين أو الكثير من أتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولكنهم لم يخف عليهم أن للرسول دعوة.

فهذا أبو ذر وعمرو بن عنبسة وغيرهم يأتون النبي لأنهم قد سمعوا به، وانتشر بينهم أنه يدعو إلى أمر جديد، إلا أن الرسول وهو في بداية أمره لم يواجه قومه بتسفيه ما هم عليه، فلم ينشأ عندهم الشعور القوي بالخطر من دعوته، فكان من أثر ذلك أنهم لم يكترثوا بأمره.

جاء في سيرة ابن هشام: (فلما نادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد عنه قومه ولم يردوا عليه، حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته) [تهذيب سيرة ابن هشام / 55] .

وهكذا الأمر دائمًا، عندما لا يشعر أهل الباطل بأن في دعوة الحق خطرًا عليهم، فإنهم لا يبدون اكتراثًا بأمرهم، وإن كانوا لا يخفون بغضهم وكراهيتهم واستهزاءهم بالحق وأهله، ولكن أنى لدعوة أن تنتشر ويظهر أمرها، وتقوم بالأمانة المنوطة بها، وهي تستر ركنًا عظيمًا من أركانها وهو الكفر بالطاغوت.

قد يكون هذا ممكنا في حق فرد، ولكنه لا يكون في حق دعوة بأكملها.

2 -المحاولات غير المباشرة لإسكات الرسول - صلى الله عليه وسلم: ولما أعلن الرسول كفره بآلهتهم، وتسفيه معتقداتهم، حاول المشركون أن ينهوا الأمر بمحاولة إسكاته عن القيام بدعوته، وذلك عن طريق عمه أبى طالب، فمن ذلك طلبهم منه في المرة الأولى أن يكف ابن أخيه عنهم أو يتركهم ليروا أمرهم فيه فردهم أبو طالب ردًا جميلًا. (التهذيب / 55) .

ولما لم تثن تلك المحاولة الرسول عن عزمه حاولوا مرة أخرى بلهجة أشد.

(التهذيب / 56) وكان جواب الرسول واضحًا صريحًا وقاطعًا في أنه لا أمل في ثنيه عن دعوته: (والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من أن يشعل أحدكم من هذه الشمس شعلة من نار) (التعليق على فقه السيرة / 110) .

3 -صياغة الاتهامات لتضليل العامة: ولما أيقنت قريش أنها لا تستطيع ثني الرسول عن الصدع بدعوته، حولت جُلَّ جهودها إلى إنشاء مناعة عند عامة العرب ضد الإيمان به، أو حتى الاستماع إليه، فاجتمعت قريش قبل موسم الحج بزعامة الوليد بن المغيرة لصياغة الاتهامات المناسبة لصد الوفود عن الاستماع إلى الرسول (فقال لهم: يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا) (التهذيب / 57) ، فتقلبت أقوالهم بين ساحر وكاهن وشاعر، ثم استقر رأيهم على اتهامه بالسحر، كما تظهر القصة، وإن كانوا في الحقيقة لم يستقروا على اتهام واحد (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ) .

ومن ذلك ما لقي به المشركون الطُفَيل بن عمرو الدوسي، وأعشى قيس، وغيرهم ممن كان يقدم مكة للسماع من الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

وكان من مشيئة الله أن جعل من تلك الاتهامات والتحذيرات دعاية للدعوة وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها) (التهذيب / 58) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت