الصفحة 2654 من 3812

4 -مرحلة التعذيب لفتنة المؤمنين: ولما لم تفلح تلك المحاولات في صد الناس عن الإيمان بالدين الجديد، تواصى المشركون فيما بينهم بالتفنن في التعذيب لرد من آمن بمحمد عن دينه، وقد لخص كبيرهم أبو جهل مخططهم في ذلك: (وكان أبو جهل الفاسق..

إذا سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وأخزاه وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك لنسفهن حلمك، ولنفيِّلَنَّ رأيك، ولنضعن شرفك، وإن كان تاجرًا قال: والله لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك، وإن كان ضعيفًا أغرى به (( التهذيب / 71، 72) .

وبدأت مرحلة التعذيب الرهيب كفعل أبى جهل بآل ياسر، وأمية بن خلف ببلال، ويكفي في تصوير شدة هذا التعذيب ما يرويه سعيد بن جبير قال: (قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسًا من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده) (التهذيب / 72) .

ولقد أصاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تلك المرحلة شيء من الأذى، كالذي فعله به عقبة بن أبى معيط حين وضع سلا جزور على رأسه وهو ساجد، وعندما اجتمع عليه المشركون حول الكعبة ففرقهم أبو بكر عنه.

والحقيقة أن التعذيب لم ينته عند مرحلة معينة، بل استمر طويلًا، إلا أن الهدف منه في المرحلة الأولى والدعوة في طفولتها كان المحاولة في رد الأتباع القلائل عن دينهم، وتخويف غيرهم من الدخول في الدين، لكن بعد أن قويت شوكة الدعوة كان التعذيب لمجرد الانتقام، ولتنفيس الغيظ والحنق الذي في نفوس المشركين، أو للأخذ بشيء من ثاراتهم من المسلمين، ومن ذلك ما فعله المشركون بخبيب حين صلبوه.

ولابد لنا هنا من وقفة عند أثر هذه المرحلة على أتباع الدعوة، وعلى سير الدعوة نفسها: - أخرجت تلك الابتلاءات نماذج عظيمة في الثبات على دين الله، والتضحية في سبيل العقيدة.

-وكان فيها تربية صلبة للأصحاب أعدتهم رجالًا لتلك الدعوة، فوق ما ارتفعت به درجاتهم عند الله.

-وزادت من الترابط بين أتباع الدين الجديد.

-وأدت إلى شيء من تعاطف العامة من المشركين مع هؤلاء المستضعفين.

وهذه وغيرها مكاسب عظيمة للدعوة، كان الابتلاء سببًا مباشرًا لها.

ووقفة أخرى مع موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يرى أتباعه يعذبون: لقد أصاب رسول الله أذى من المشركين، لكنهم لم يكونوا ليبلغوا منه شيئًا كثيرًا لمكانة عشيرته بينهم، ولكن عديدًا من أصحابه واجه فتنة لا طاقة لكثير من البشر بها، فماذا كان موقف الرسول من ذلك؟.

لقد أبدى الرسول تعاطفًا شديدًا وشفقة حانية على أتباعه من المعذبين، فكان يمر بآل ياسر، ويثبتهم على مصابهم، ويعدهم الجنة، وكذلك كان حال المسلمين ممن لم يصبهم الأذى، فهذا أبو بكر ينفق ماله على إعتاق المعذبين من الرقيق.

ولم ينته دور الرسول عند التعاطف والإشفاق، بل كان يبحث عن كل ما من شأنه أن يخفف المصاب عن أتباعه من حلول عملية.

فكان يأمر من أسلم من الضعفاء أو ممن يخشى عليه الفتنة أن يكتم إسلامه عن أهله، ويأمر بعض من يأتيه من قبائل العرب مسلمًا أن يعود إلى قبيلته لأنه لا سند له بمكة.

ولما علم أن في الحبشة ملكًا لا يظلم أمرهم بالهجرة إليه فرارًا بدينهم.

إذن: كان الرسول يرفع من معنوياتهم، ويذكرهم بالأجر والثواب، ويؤكد نصر الله إياهم بعد حين، وفي نفس الوقت كان يبحث لهم عن حلول عملية تخفف من وقع الفتنة عليهم.

إن التعاطف والسعي لتخفيف وطأة التعذيب على المسلمين أمر مطلوب، وواجب على القيادة المسلمة تجاه أتباعها، أما التخلي عن شيء من المنهج، ولا أقول الأسلوب والسياسة، تفاديًا للمواجهة، واتقاءً لبطش الجاهليين، فأمر لا يرضاه الله، وقد عصم منه رسوله، وللأسف فقد سقط في هذا المزلق بعض المخلصين بدافع إخلاصهم وشفقتهم على إخوانهم.

إن الإسلام وهو دين الرحمة قد جعل للأفراد رُخَصًا يجيز لهم الأخذ بها وقت الشدائد تصل إلى التلفظ بكلمة الكفر، ولكن لا يجوز لأحد مهما بلغت به الفتنة أن يهادن في دين الله أو يحرف في منهجه.

إن بعض المخلصين، وقد أحزنهم وشق عليهم ما نزل ببعض إخوانهم، وقد بدءوا يبدون التميع، ويبدون التفاوض مع الجاهلية، بمبادئهم لتخفيف الوطأة على إخوانهم.

وبدأوا ينطلقون من منطلق (كفانا أشلاء ودماء) وبدأ منهجهم يتكيف مع هذا المنطلق في جوهره وليس في أسلوبه فقط.

إن أشلاء إخواننا ودماءهم غالية على كل مسلم غيور، ولكننا أيقنا أنها الثمن الذي أراده الله للنصر...

وللجنة.

إن الدعوة التي اشتدت عليها الفتنة، فبدأت تغير من منهجها، ومرة أخرى لا أقول: من أسلوبها؛ قد سقطت في الابتلاء الذي جعله الله سنة في الدعوات: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) .

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم، مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) .

إن التربية التي ترسخ في النفوس أن الابتلاء سنة الله في الدعوات، مهمة جدًا، مهمة للقادة حتى لا يسقطوا في الابتلاء، ويحرفوا المنهج تفاديًا لهم، فيضلوا ويضلوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت