فهرس الكتاب
أولًا: إذا جرى الحديث عن تأثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو عدم تأثيره، أريد به ظهور المعروف حينما أمر به، وانتفاء المنكر حينما نهى عنه، وبالعكس، ولكن لننظر في الأمر من وجهة نظر أخرى، وهي أن المسلم ولو لم يؤثر فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأثيرًا عاجلًا- لابد أن يتأثر في شعوره إلى حد ما، ومن الممكن أن يصير هذا التأثير، سببًا لفعله المعروف، وتركه المنكر فيما بعد، ومن هذه الناحية درس الإمام محمد بن الحسن الشيباني في"شرح السير الكبير" (3/239-240) ، نفسيَّة الأمة المسلمة، مراعاة كاملة، فقال:"وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسعه الإقدام، وإن كان يعلم أن القوم يقتلونه، وأنه لا يتفرق جمعهم بسببه؛ لأن القوم هناك مسلمون، معتقدون لما يأمرهم به، فلابد من أن فعله ينكئ في قلوبهم، وإن كانوا لا يظهرون ذلك".
ثانيًا: إذا أهمل السعي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة عدم جدواه، تقطعت أسباب الرجاء عن الإصلاح، وهلك المجتمع كله.
ثالثًا: لا يصح بناء الحكم الفقهي على (التأثير) و (عدمه) فنقول: يجب الأمر بالمعروف عند حصول التأثير والإفادة، والعكس بالعكس؛ لأن التأثير وعدمه أمر غير ظاهر وغير منضبط، فكم من مأمور بالمعروف يُرجى فيه الخير ومنهي عن المنكر لا يرجى فيه ذلك، ولا يستجيب الأول ويستجيب الثاني.
رابعًا: إن صح القول الأول فيحمل على أن العامة عليهم أن يحافظوا على دينهم وإيمانهم، ولا يصح أن يلقى عليهم أعباء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن الخاصة منهم أيضًا- إن لم يتقدموا إلى ذلك ظلموا أنفسهم وقدراتهم وإمكاناتهم.
وانظر بسطًا للمسألة في:"أحكام القرآن" (2/797) ، و"مختصر الفتاوى المصرية" (58) ، و"اقتضاء الصراط المستقيم" (1/148، 149) ، و"طبقات الحنابلة" (2/280) ، و"الآداب الشرعية" (1/178) ، و"نصاب الاحتساب" (313) ، و"أضواء البيان" (1/175) ، و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (ص: 157 وما بعدها) لجلال العمري، و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وواقع المسلمين اليوم" (ص: 103 وما بعدها) لصالح الدرويش، و"الأمر بالمعروف"لعبد الرحمن المقيط (ص50) ، و"الأمر بالمعروف" (ص386) لخالد السبت، و"الجواب الأبهر لمن سأل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (ص57-61) ، و"أصول الدعوة" (190، 312) لعبد الكريم زيدان. ).
تنبيه متعلق بالكتاب السابق: ذكر ابن المناصف حالات الجهاد؛ وأنها لا تخرج عن ثلاث حالات - كما هو التقسيم المشهور: 1 - أن يكون فرض عين.. 2- فرض كفاية.. 3- نافلة..
فعلق الشيخ مشهور في الهامش: (بقيت حالة رابعة؛ وهي مهمة جدا، وهي تخص نوازل الجهاد في هذا الزمان، فقد تقع وستجدّ(هكذا ولعلها تستجد) ملابسات، ما كانت في حسبان فقهائنا الأقدمين؛ تؤثر على الحكم العيني أو الكفائي.... الخ ما ذكر). (1/42-50) .
ولم يتبين لي ما يقصد بهذه الحال الرابعة؟
وفي ظني أن في تكثير الحالات فتحًا لباب مخالفة النصوص أو الإجماع؛ دون أن نشعر.
وكان الأولى في نظري أن يبقي الشيخ على تقسيم الفقهاء ولا يزيد عليه أحوالا متخيلة؛ ثم ينبه إلى أن الحكم على كل واقعة منوط بالعلماء؛ حتى يبينوا أهي من الجهاد العيني أو الكفائي؟ أفي الجهر والمواجهة مصالح أو تغلب المفاسد؟... الخ
هذا - في نظري - أسلم وأحكم.
وفق الله الشيخ مشهورًا؛ فتحقيقاته وكتاباته - وإن خولف في بعضها - تنبئ عن رجل جادّ محقق، ولا تخلو من تفرد وتميز.
والله الهادي..
دعوة إلى تأصيل المصطلحات السياسية ( 1 ـ 2 )
محمد بن شاكر الشريف
المعارضة السياسية بما تحمله من مضمون تنافسي ـ بين جماعات سياسية منظمة لها تصورها الخاص في كيفية سياسة المجتمع وإدارته ـ للوصول إلى السلطة عبر برامج معدة سلفًا، أو التأثير فيها عند عدم القدرة على الوصول إليها، مصطلح حديث نسبيًا؛ إذ لا يتجاوز ظهوره في العالم قرنين من الزمان، ويجمل بنا أن نتعرف على المعنى اللغوي لكلمة المعارضة؛ فمادة عَرَضَ التي ترجع إليها تلك الكلمة لها عدة معانٍ، والذي يتعلق بموضوعنا من ذلك مما جاء في لغة العرب أمور ثلاثة:
أحدها: المقابلة بين شيئين أو عدة أشياء لتبين مدى الاتفاق أو الاختلاف بينها؛ فمن ذلك قولهم: عَارَضَ الشيءَ بالشيءِ مُعَارضةً: قابَلَه، وعارَضْتُ كتابي بكتابه أَي قابلته، وفي الحديث: إِن جبريل - عليه السلام - كان يُعارِضُ النبي - صلى الله عليه وسلم - القُرآنَ في كل سنة مرة وإنه عارضَه العامَ الذي توفي فيه مرتين (1) ، قال ابن الأَثير: أَي كان يُدارِسُه جمِيعَ ما نزل من القرآن من المُعارَضَةِ المُقابلة.
الثاني: المسابقة والتنافس والمباراة، ومن ذلك قولهم: فلان يُعارضُني أَي يُباريني، وعارَضَه في السير: سار حِياله وحاذاه، وعارضه بمثل ما صنع: أي أتى إليه بمثل ما أتى، وفلان يُباري الريحَ سَخاءً، وفلان يُباري فلانًا أَي يعارضه ويفعل مثل فعله، وهما يَتَبارَيانِ إِذا صنع كل واحد مثل ما صنع صاحبه، وفي الحديث: نهى عن طعام المُتَبارِيَيْنِ أَن يؤكل (2) ، هما المتعارضان بفعلهما ليُعَجِّزَ أَحدُهما الآخَر بصنيعه، وإِنما كرهه لما فيه من المباهاة والرياء، ومنه شعر حسان بن ثابت - رضي الله عنه -:
يُبارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِداتٍ على أَكْتافِها الأَسَلُ الظِّماءُ
المُباراة: المُجاراة والمسابقة أَي يُعارِضْنَها في الجَذْب لقوة نفوسها وقوة رؤوسها وعَلْكِ حَدائدها، ويجوز أَن يريد مُشابَهَتَها لها في اللِّين وسُرعة الانقياد.