الصفحة 2672 من 3812

وعلى ذلك فإن التحذير من ضرر استخدام المصطلحات الغريبة على شريعتنا وثقافتنا لا يمثل موقفًا انعزاليًا أو تقوقعًا وانكفاء على الذات، وبُعدًا عن التفاعل مع العالم من حولنا، وإنما يمثل موقفًا محافظًا على مقومات الأمة وخصائصها ألا تذوب في غيرها؛ فإن تلك المصطلحات محمَّلة بدلالاتها الخاصة بها التي تكونت عبر أجيال عدة، وخبرات متطاولة في بيئة غير إسلامية، وهي بالطبع بيئة مناقضة لبيئتنا؛ على أن هناك من يظن إمكانية استعمال هذه المصطلحات واستخدامها بعد تفريغها من المضمون المخالف لشريعتنا وتعبئتها بمضمون صالح يوافق شرعنا ولا يخالفه، وهذا في الحقيقة يعد غفلة عظيمة، كما يمثل في الوقت نفسه اعترافًا بسمو تلك المصطلحات وعمومها وصلاحيتها، وقبولًا بسيادة تلك المصطلحات على مصطلحاتنا، وفي المقابل يمثل اعترافًا بعجز ثقافتنا أن يكون لديها المصطلحات الخاصة بها التي تدل على المضمون الذي نريده، ثم إن هذا التصرف سينتهي ـ ولا بد ـ إلى قبول المصطلح بكل شروحه وحواشيه؛ لأن عملية التفريغ ثم التعبئة هي في الحقيقة عملية غير ممكنة بل هي وهم كبير، وحتى إذا أمكن القيام بذلك فما جدوى الإتيان بمصطلح ذي مضمون نابع من بيئة مناقضة لبيئتنا فنفرغه من مضمونه، ونملؤه بمضمون مناسب لنا؟ ألا يمثل هذا تبعية شديدة لهذا المصطلح؟ وكيف يمكن لنا أن نتحرر من الفكر الغربي ونحن نسلك هذا السلوك ونقدم مصطلحاته على مصطلحاتنا؟

لقد مثَّل استخدام تلك المصطلحات الوافدة كالديمقراطية والاشتراكية والمعارضة والليبرالية وغيرها في العقود الماضية، جناية عظيمة على الأمة في عقيدتها وشريعتها وثقافتها، ولم تفلح أية محاولة من محاولات التفريغ والتعبئة أو الطلاء بقشرة إسلامية أن تنتزع تلك المصطلحات من مضمونها، وقد كان هذا المسلك أحد العوامل المهمة التي ساهمت في إحداث قطيعة مع تراثنا الحقيقي، كما حالت دون أي عملية تجديد أو إصلاح حقيقية؛ مما ترتب عليه نشوء أجيال من المثقفين أو ممن يشار إليهم على أنهم نخبة أو صفوة المجتمع لا تعرف من دينها في الجانب السياسي أو الاقتصادي إلا ما كان مستجلبًا من الفكر الغربي، وقد أحدث ذلك التصرف شقة عميقة بين تلك الأجيال وبين معرفة دينها معرفة صحيحة خاصة في تلك الجوانب، حتى أصبح من الصعوبة بمكان التغلب عليها إلا ببذل جهد مضاعف في سبيل ذلك.

إن من الأمور الغريبة أن تجد من يريد إدخال مصطلح المعارضة بمعناه الغربي في جسم أو ضمن نسيج النظام السياسي الإسلامي يحتج بأن هذه اللفظة عربية، وكأنه نسي أو جهل أن هذه اللفظة العربية لا تستخدم الآن حسب استخدامها العربي المعروف، وهم يحتجون على صواب إدخال تلك المفردة في المصطلحات السياسية الإسلامية بالنصوص الشرعية التي تتحدث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحض على النصيحة والدعوة إلى الشورى، ولكن عندما يأخذون في الحديث عن المعارضة وتفصيلاتها، تجدهم يتحدثون عنها على نحو ما هو موجود في الفكر الغربي، فكأن هذه النصوص لم يلجأ إليها في الواقع إلا لتكون مجرد وسيلة للعبور عليها إلى قبول فكرة المعارضة، وإذا أعوزتهم الحجة التاريخية على أن يجدوا في التاريخ الإسلامي ما يدعم نظرتهم إلى مصطلح المعارضة، يمموا وجوههم شطر الفرق المذمومة التي جاء ذمها في النصوص الشرعية كالخوارج والشيعة وأضرابهم، وجعلوها سندًا تاريخيًا على معرفة المسلمين بالمعارضة واستعمالهم لها، وهذا من أعجب الاستدلال؛ حيث يستدل على صواب المعارضة بسلوك من ذمتهم النصوص من أجل سلوكهم هذا، وكان حقه أن يستدل بذلك على فساد المعارضة لا على أنها ظاهرة صحية.

* ظاهرة المعارضة في السلوك الإنساني:

الاعتراض أو المعارضة، والاختلاف أو المخالفة؛ ظاهرة إنسانية من لوازم المجتمع الإنساني؛ فحيثما وجد الإنسان في جماعة فلا يخلو ذلك الاجتماع من تباين وجهات النظر تجاه كثير من الأمور التي ينظر إليها على أنها من المضار أو من المصالح، وما يترتب على ذلك من تعارض الإرادات في السعي لجلب ما يُظن مصلحته، أو العمل لكف ما يُنظر إليه على أنه من المضار؛ لذلك فلا يمكن أن تتحقق مصالح بني آدم عند اجتماعهم إلا من خلال نظام صالح يحقق المصالح ويدفع المضار، ولا يتأتى ذلك إلا في ظل وجود القواعد المنظمة لذلك، والتي لا تؤدي وظيفتها ودورها إلا إذا كانت ملزِمة باتباعها وعدم الخروج عليها، ومن لازم ذلك القدرة على مجازاة المخالف وإجباره على التقيد بتلك القواعد الصالحة، وهذا كله لا يتم إلا في وجود سلطة آمرة ناهية ملزِمة، قادرة على إنفاذ إرادتها على المجتمع الإنساني.

ويمكننا أن نستخلص من هذا العرض المطول لتلك الظاهرة عدة حقائق إنسانية؛ فمن ذلك: أن الإنسان له إرادة خاصة به وهو لا يحب أن يُكرَه أو يُجبَر على أن يرى ما لا يرى، أو أن يختار ما لا يختار، وأن الإنسان له رغبة في تحصيل المنافع والمصالح والسعي في سبيل المحافظة عليها، كما أن له رغبة في دفع المفاسد والمضار والعمل على تقليلها إلى أقصى حد ممكن، وأنه لا يوجد اتفاق كامل في التصورات المتعلقة بالنظر إلى المصالح والمفاسد، ومن ثم عدم اتفاق الإرادات في العمل لجلب المصالح ودفع المفاسد، وهذه ولا شك إشكالية تحتاج إلى حل، وقد حاولت التجمعات الإنسانية المتعددة والمتباينة على مدى الزمن حلَّ ذلك انطلاقًا من ثقافتها وحضارتها وظروف بيئتها، وقد تنوعت تلك الحلول واختلفت باختلاف الزمان والمكان.

* الحل الغربي المعاصر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت