فهرس الكتاب
يقوم الحل الغربي على قبول الواقع كما هو، والخضوع له عن طريق التقنين له، بدلًا من محاولة إصلاحه وتقويم اعوجاجه؛ فقدم في سبيل ذلك فكرة الحرية المطلقة من كل قيد: في التصورات، والاعتقادات، والإرادات، ولم يستثن من ذلك كله إلا ما كان فيه ضرر يعود على الآخرين. وانطلاقًا من فكرة الحرية المطلقة فإنه يحق لكل أحد أن يبني عالمه الخاص به، النابع من داخله هو؛ أي من تصوراته الشخصية دون أية قيود خارجية سواء كانت من الدين أو من عادات المجتمع ومواضعاته أو أي شيء آخر. ولا يلزم للاعتراف بهذه الرؤية سوى أن تكون بإرادته من غير إجبار، كما لا يلزم لإقرارها بصورة نظامية في المجتمع سوى كثرة أعداد القائلين بها حتى يكونوا أكثر من المخالفين لها، ومن لازم ذلك فإنه يحق لكل أحد أن يعترض على أي شيء في المجتمع إذا سلك الطريق النظامي المقرر في الاعتراض، ويحق له أن يظل على اعتراضه ويصر عليه بل ويدعو إليه، حتى لو كان ما يذهب إليه خطأ وضلالًا تمامًا، ويخالف أعراف المجتمع ومواضعاته، ما دام أنه لا يستعمل في الدعوة إليه سوى الوسائل السلمية، ولا يتجاوز ذلك إلى الوسائل العنيفة لإكراه الآخرين عليها. ومن الممكن أن يتحول هذا الخطأ والضلال إلى حق وصواب، إذا تمكن الداعي إليه من استقطاب الأغلبية المطلوبة التي توافقه وتقبل دعوته، ومن ثم يصير رأيًا وجيهًا يُعمل به ويُحتكم إليه؛ فالصواب والخطأ في التصورات والأفكار والاعتقادات لا يأتي في ذلك الحل من أمر خارج عنها، وإنما يأتي من داخلها نفسها حسب قناعات الأفراد، وترتب على ذلك أن نشأ في الفكر السياسي الغربي ما يُعرف اليوم على أنه (المعارضة) التي تعني تمايز المجتمع وانقسامه حول بعض الاختيارات أو المحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتباينة، ثم تنضوي كل فئة من الناس تحت الخيار الذي يناسبها، ويسعى كل فريق بعد ذلك من أجل الوصول إلى سدة الحكم ليفرض رؤيته الخاصة في جلب المصالح ودفع المفاسد، دونما تقيد أو ارتباط برؤية الآخرين المخالفة أو تصوراتهم، على أساس أن وصولهم للحكم عن طريق اختيار الناس لهم يعني قبول منهجهم، وإلا لما اختارهم الناس (1) .
فبدلًا من السعي نحو إيجاد جمهرة عظيمة من الأفكار والتصورات يلتقي حولها الناس، حل محله تقسيم الناس وتوزيعهم حول عدة محاور متناقضة؛ مع تكريس ذلك التناقض عن طريق تنظيمه ووضع القواعد التي تضبطه. وبدلًا من تقديم فكرة التعاون على البر والتقوى، وجمع الكلمة على فعل الخير، ودفع الشر في ظل توافق عام أو أغلبي على تحديد المصالح والمفاسد، قُدِّمَ بدلًا منها فكرة التنافس والتصارع للوصول إلى سدة الحكم ليفرض الفريق الفائز رؤيته لتلك الأمور. فالقضية بدأت في أولها بالحرية المطلقة من أية قيود، ثم انقلبت في نهاية الأمر بفرض رؤية الأغلبية وإرادتها على الأقلية، وبهذا ينقسم المجتمع إلى: حكومة، ومعارضة: الحكومة تقول وتفعل ما تشاء استنادًا إلى ما تدعيه من التفويض الممنوح لها، والمعارضة تعارض الحكومة وتقدم رؤيتها من أجل إقناع الناس للوصول إلى الحكم، وإزاحة الحكومة وتحويلها إلى معارضة وتقوم هي بالدور نفسه الذي كانت تقوم به الحكومة.
فالعلاقة القائمة بين الحكومة وبين ما يُدْعَى بالمعارضة في هذا الفكر السياسي علاقة الترصد والتنافس لا علاقة التعاون والتعاضد من أجل خير المجتمع (2) ، والهدف من ذلك الوصول إلى كرسي الحكم وليس ابتغاء وجه الله طلبًا للأجر والمثوبة منه، أو السعي للإصلاح. ولا شك أن الفكرة القائلة بأن كسب الأغلبية (3) الموصلة للحكم تعطي الحق في فرض الآراء والتصورات وصوغها قوانين ملزمة تُفرَض بالقوة على الجميع، تدفع المتنافسين في سبيل الوصول إلى الحكم للوقوع في تجاوزات كثيرة لا يمكن قبولها تحت أي مسوِّغ؛ فهناك التزوير، وهناك الرشوة المباشرة وغير المباشرة، وهناك التلاعب بالبيانات وشراء الذمم؛ بحيث لم يقتصر ذلك على مجتمع يقال عنه مجتمع متخلف، بل أصبح ذلك سمة في المجتمعات جميعها المتقدمة والمتخلفة منها على السواء، وإن كانت النسب بلا شك تتفاوت من دولة إلى أخرى؛ وهذا الحل غير مقبول إسلاميًا؛ لأنه حل في حقيقته يقوم على الانفلات الكامل في الأفكار والعقائد والتصورات بزعم الحرية، ويترتب عليه أمور أيضًا غير مقبولة إسلاميًا: كتفرقة الأمة وتجزئتها وتحويلها إلى فئات متناحرة، والسعي في طلب الحكم الذي يقوم على تزكية النفس وترصُّد الآخرين والبحث عن زلاتهم.
* الحل الإسلامي:
وقد قام الحل الإسلامي على عدة أسس: ففي جانب عدم اتفاق التصورات وتعارض الإرادات؛ فذلك حله في الرجوع إلى الأحكام الشرعية والتقيد بها من جميع المسلمين بلا فرق بين أحد منهم، وما كان من الأمور التي لا يوجد فيها النص الملزم؛ فإن ذلك يتم عن طريق الاجتهاد القائم على ضوابط معلومة في بذل الجهد للتعرف على الحكم الذي يوافق الأحكام الشرعية، في جو من التناصح والتشاور، وأما السعي في تحصيل المنافع والمصالح؛ فذلك حله في الأحكام المتعلقة بالأمر بالمعروف، وكذلك السعي في دفع المفاسد والمضار؛ فذلك حله موجود في الأحكام المتعلقة بالنهي عن المنكر. ومن هنا فإن الحل الإسلامي راعى الواقع من غير أن يستسلم له، أو يخضع لظروفه المتقلبة، بل عمل على قيادته وإصلاحه.
* آليات الحل الإسلامي: