الصفحة 2674 من 3812

النظرة الإسلامية في سياسة الدنيا قائمة على أن الجميع عباد الله، وهم على حد سواء في هذه العبودية بلا امتيازات بينهم، وأن العباد مستخلَفون في هذه الأرض، وأن الجميع يشتركون في تحمل مسؤولية قبول الحق وأمانة تبليغه، وأمانة السعي في سبيل إقراره وتحمل الشدائد في مواجهة من يعارضه أو يقف في سبيله، والقيام بعمارة الأرض وإصلاحها وكف الفساد عنها؛ فليس هذا الهَمُّ هَمَّ مجموعة معينة من الناس، بينما يبقى المجموع الباقي وكأنهم أُجَرَاء، ليس لهم إلا الأجر في مقابل الطاعة فيما يُكلَّفون به من عمل، أو كأنهم عابرو سبيل ليس لهم من الحقوق إلا ما يتمتع به عابر السبيل، بل الكل شركاء ومتضامنون في جلب المصالح (الدينية والدنيوية) وكذلك دفع المفاسد (الدينية والدنيوية) ، ولذلك لا يجوز تهميش الرعية أو أغلبيتها بدعوى أن ذلك ليس من شأنها، بل ينبغي أن تمكَّن الرعية من كل حق أعطته الشريعة لهم؛ إذ هذا شرط الفلاح في الدنيا والنجاة في الآخرة، إذ بمثل هذه المشاركة يشعر المسلم بانتمائه الحقيقي لدار الإسلام مما يستنهض همته للسعي في خيرها، والدفاع عنها عندما يَدْهم الأعداء بلاد المسلمين، أو تدلَهِمُّ الخطوب، وإذا كنا لا نستطيع أن نغطي في هذا المقال الموجز الحديث عن الآليات المتبعة في الحل الإسلامي لتحقيق ذلك فإنه يكفينا في ذلك أن نقدم حديثًا موجزًا عن ذلك، فمن تلك الآليات: المتابعة والمراقبة: إذ الكل شريك والكل مسؤول، وهذا يستوجب أن يحرص كل أحد على المتابعة والمراقبة حتى لا يحدث خرق في اتجاه لا يشعر به أحد، فيكون فيه الهلاك، ولهذه المتابعة والمراقبة دواعي منها: أن الإيمان يزيد وينقص، والشيطان يتربص بالإنسان يلتمس منه غرة، وأن الأمة مسئولة عن المحافظة على الدين والدنيا، وأن الرؤية الصحيحة قد تغيب عن بعضهم بسبب عوامل كثيرة، وهذه المتابعة والمراقبة ليست على سبيل التخوين أو الشك، وإنما ضمانًا لحسن سير الأمة وانتظامها في طريقها المستقيم من غير اعوجاج، وحتى إذا حدث اعوجاج أو بُعد عن المنهاج أمكن الرد إلى الطريق المستقيم من قريب. والفرق بين مراقبة الشك والتخوين، ومراقبة ضمان الانتظام وحسن السير: أن الأولى تعتمد على الشك والارتياب، وتغليب الظنون على اليقين والظاهر، والتماس المعايب والأخطاء، بينما الثانية تعتمد الحقائق وتغلِّب اليقين على الظنون، والسعي إلى الإصلاح، وكذلك تستند إلى الظاهر وتقبل المسوِّغات من غير تعنت أو غفلة، تحدوها في ذلك الرغبة في الحفاظ على مصلحة الأمة، والمتابعة والمراقبة قد يتلوها الإشادة والتأييد عند استقامة الأمور وسيرها في مجراها الطبيعي، كما قد يتلوها الإنكار عند خروج الأمر عن طريقه المستقيم حتى يصل التصرف إلى حد العصيان أو مقاومة الطغيان، والإنكار هنا له درجاته المتعددة بحسب درجة الخروج عن الطريق المستقيم وكيفيته، حسب ما هو مفصل في فقه إنكار المنكر.

ومنها: حق التعبير عن الرأي ما لم يخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا، وأن يكون انطلاقًا من المسؤولية والمشاركة وعدم انحصار الصواب في اجتهاد طائفة من المسلمين، وانطلاقًا من التكليف وعدم الوصاية على العقلاء العالمين البالغين؛ فإنه يحق للمسلم أن يعتقد ما يراه صوابًا بالشروط السابقة، وأن يدعو إليه بغض النظر عن موافقة ذلك أو مخالفته للسلطة، ولا تكون مخالفته للسلطة في الرأي مدعاة لمنعه من الدعوة إلى الصواب إذا كان يستدل عليه بالأدلة الصحيحة وليس فيه مخالفة للدين، بل على السلطة أن تمكنه من ذلك، وترده للطريق المستقيم إذا خرج عن الجادة، وحق التعبير عن الرأي لا يعارض واجب الطاعة؛ فالمسلم يجب عليه طاعة ولاة أموره المسلمين في المعروف، كما أن عليه أن يعمل بالحق ويدعو إليه.

ومنها: عدم الإلزام بالرأي الاجتهادي؛ إذ العقول متفاوتة والاجتهادات تابعة لعقول أصحابها، والإلزام بالرأي الاجتهادي يعد نوعًا من الإكراه، بل يجعل الرأي الاجتهادي في منزلة تضاهي منزلة النصوص الشرعية، وهو ما تأباه القواعد الشرعية.

ومنها: اللجوء إلى المحكمة: وانطلاقًا أيضًا من الشراكة وأنه ليس أحد أحق من أحد في الحفاظ على مصالح الأمة بجلب الخير لها ودفع الشر عنها؛ فإنه إذا تعارضت التصورات في النظر إلى المصالح أو الحقوق أو الواجبات العامة التي لا يختص بها أحد دون الآخر، وتباينت لأجل ذلك الإرادات، لم يكن لأحد أن يقضي على الآخر أو أن يلزمه بما يراه، انطلاقًا من استناده إلى وسائل القوة التي يحوزها، بل يحتكم الطرفان إلى المحكمة التي تفصل في ذلك بناء على البينات المقدمة، واستنادًا إلى الشريعة في نصوصها ومقاصدها.

الحسبة أو الاحتساب: هذه الآليات المذكورة لم يكن هناك اسم يخصها من بين تشريعات الإسلام المتعددة في مختلف حياة المسلمين الدينية والدنيوية، وكانت كلها داخلة تحت المعنى العام لنظام الإسلام في الدين والحياة، لكن هل هناك ما يمنع من جمع مجموعة من الأحكام الشرعية المتعلقة بموضوع معين تحت اسم يكون معبرًا عن ذلك؟ الذي تدل عليه تصرفات العلماء السابقين أنه لا يوجد ما يمنع من ذلك أو يحول بينه، وقد صنف أهل العلم كتبًا كثيرة في موضوعات محددة؛ فهذا يصنف في أحكام العبادات، وذاك يصنف في أحكام الجهاد، وثالث يصنف في الغزوات والسير، وآخر يصنف في الأحكام السلطانية، وغيره يصنف في السياسة الشرعية؛ وهكذا، والقيد الوحيد الذي يمكن وضعه على ذلك أن يكون هناك توافق حقيقي بين الاسم المختار وبين الموضوعات التي يعالجها حتى لا يحدث اختلاط أو اضطراب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت