فهرس الكتاب
ونحن في ظل الأوضاع المعاصرة نحتاج إلى مصطلح نضع تحته هذه الآليات وأضرابها، حتى تكون واضحة في أذهان الناس الموافقين والمخالفين على السواء، وحتى لا تجرف المصطلحات الوافدة عقول الناس وتغلب عليهم؛ لخلو الساحة من مصطلح بديل يعبر عن الحقائق الشرعية بدون مخالطة للباطل، على النحو الذي نراه في المصطلحات الوافدة كما بينا من قبل. وينبغي علينا أن نركِّز في حديثنا أو استخدامنا على ذلك المصطلح حتى يكتسب الشيوع والقوة، وأقرب ما يكون من المصطلحات التي يمكن أن تعبر عن تلك الآليات هو لفظ (الحسبة السياسية) بمعناها العام التي تشمل الحسبة على المسلمين جميعهم الحكام والمحكومين. والداعي إلى اختيار هذا المصطلح أمور منها: أن الحسبة مصطلح شرعي مستخدم في تراثنا الشرعي، وأنه مدلول عليه بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وعمل الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وأنه خال من اشتماله على أنواع من الباطل كما في المصطلحات الوافدة، وأنه يعبر عن طبيعة القيام بهذا العمل وهو احتساب الأجر وابتغاؤه من الله العلي الكبير من غير بحث عن مغنم أو منصب دنيوي.
نظام الحسبة: الحسبة نشأتها ترجع إلى النصوص الشرعية التي تدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال - تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] ؛ فالحسبة على هذا شاملة ليست قاصرة على باب دون باب من أبواب الشريعة، كأن تُحصَر في الاحتساب على منكرات الأسواق أو الأفراح، أو الاحتساب على الآداب الاجتماعية، أو الاحتساب على أداء الصلوات، ونحو ذلك؛ فهذا كله من الحسبة بلا شك، لكنه ليس الحسبة كلها، وإنما الحسبة تدخل في أمور الدين كلها: ما تعلق بالأفراد، وما تعلق بالمجتمع، وما تعلق بالسلطة، وما تعلق بالاعتقادات أو العبادات أو المعاملات أو السياسة أو الاقتصاد. يقول الماوردي - رحمه الله تعالى: (الحسبة هي أمر بمعروف إذا أظهر تركه، ونهي عن منكر إذا أظهر فعله) (1) ، والكلام هنا مطلق غير مقيد، والمعروف اسم جامع لكل ما أمر به الشرع أو دعا إليه أو حض عليه أو أقره ولم يغيره، والمنكر اسم جامع لكل ما نهى عنه الشرع أو خالف الشرع وعارضه، وهذا يبين أن مجال الحسبة رحب فسيح يعمل في الاتساع الذي يشمله اسم المعروف واسم المنكر، انطلاقًا من عموم رسالة الإسلام وشموله للزمان والمكان، وليست هي محصورة في صور نمطية معينة، أو نماذج محددة. قال ابن تيمية - رحمه الله تعالى: (المعروف هو الحق الذي بعث الله به رسوله، والمنكر هو ما خالف ذلك من أنواع البدع والفجور) (2) ، ونظرًا لأن (عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف، وليس لذلك حد في الشرع؛ فقد يدخل في ولاية القضاء في بعض الأمكنة والأزمنة ما يدخل في ولاية الحرب في مكان وزمان آخر وبالعكس، وكذلك الحسبة وولاية المال، وجميع هذه الولايات هي في الأصل ولاية شرعية ومناصب دينية) (3) ، وإذا كانت أكثر الكتب المصنفة في الحسبة ونظامها قد اقتصرت على الحسبة في المعاملات من بيع وشراء، ومكاييل وموازين، وعقود ونحو ذلك، ولم تتوسع فيما يتعلق بالاحتساب في الجانب السياسي؛ فإن ذلك لا يعني عدم وجود الحسبة السياسية من ناحية الواقع؛ فإن النصوص الدالة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تشمل بعمومها الاحتساب في جانب المعاملات، كما تشمل الاحتساب في جانب السياسة.