فهرس الكتاب
وحقا لقد كان الناس قبل أن يبزغ نور الإسلام الذى جاء به صلى الله عليه وسلم من عند ربه في ضلال واضح ، وظلام دامس ، فهم من ناحية العبادة كانوا يشركون مع الله آلهة أخرى ، ومن ناحية الأخلاق تفشت فيهم الرذائل حتى صارت شيئًا مألوفا ، ومن ناحية المعاملات كانوا لا يلتزمون الحق والعدل في كثير من شئونهم .
والخلاصة أن الضلال والجهل وغير ذلك من الرذائل ، كانت قد استشرت في العالم بصورة لا تخفى على عاقل .
فكان من رحمة الله بالناس ومنته عليهم أن أرسل فيهم نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم لكى يخرجهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان إلى نور الهداية والاستقامة والإيمان . (1)
إن ختام هذه الفقرة بهذه الحقيقة الكبيرة . حقيقة الرسول صلى الله عليه وسلم وقيمتها الذاتية , وعظم المنة الإلهية بها , ودورها في إنشاء هذه الأمة وتعليمها وتربيتها وقيادتها , ونقلها من الضلال المبين إلى العلم والحكمة والطهارة . . إن هذا الختام يتضمن لمسات قرآنية كثيرة منوعة عميقة:
إنها تجيء ابتداء تعقيبا على الغنائم والطمع فيها والغلول , والانشغال بهذا الأمر الصغير , الذي كان الإنشغال به هو السبب المباشر الذي قلب الموقف في المعركة , وبدل النصر هزيمة , وفعل بالمسلمين الأفاعيل . فالإشارة إلى حقيقة الرسالة الكبيرة , والمنة العظيمة المتمثلة فيها , لمسة عميقة من لمسات التربية القرآنية الفريدة . تبدو في ظلها غنائم الأرض كلها , وأسلاب الأرض كلها , وإعراض الأرض كلها , شيئا تافها زهيدا , لا يذكر ولا يقدر . شيئا تخجل النفس المؤمنة أن تذكره , بل تستحي أن تفكر فيه ! فضلا عن أن تشغل به !
وهي تجيء في سياق الحديث عن الهزيمة والقرح والألم والخسارة التي أصابت الجماعة المسلمة في المعركة . . فالإشارة إلى تلك الحقيقة الكبيرة , وما تمثله من منة عظيمة , لمسة عميقة من لمسات التربية القرآنية العجيبة , تصغر في ظلها الآلام والخسائر , وتصغر إلى جانبها الجراح والتضحيات . على حين تعظم المنة , ويتجلى العطاء الذي يرجح كل شيء في حياة الأمة المسلمة على الإطلاق .
ثم . . الإشارة إلى آثار هذه المنة في حياة الأمة المسلمة (يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة , وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) . . وهي تشي بالنقلة من حال إلى حال , ومن وضع إلى وضع , ومن عهد إلى عهد . فتشعر الأمة المسلمة بما وراء هذه النقلة من قدر الله الذي يريد بهذه الأمة أمرا ضخما في تاريخ الأرض , وفي حياة البشر , والذي يعدها لهذا الأمر الضخم بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم فما ينبغي لأمة هذا شأنها , أن تشغل بالها بالغنائم التي تبدو تافهة زهيدة في ظل هذا الهدف الضخم , ولا أن تجزع من التضحيات والآلام , التي تبدو هينة يسيرة في ظل هذه الغاية الكبيرة . .
هذه بعض اللمسات المستفادة من ذكر هذه المنة في هذا السياق . نذكرها باختصار وإجمال , لنواجه النص القرآني الحافل بالإيحاءات والظلال:
(لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) . .
إنها المنة العظمى أن يبعث الله فيهم رسولا , وأن يكون هذا الرسول (من أنفسهم) . . إن العناية من الله الجليل , بإرسال رسول من عنده إلى بعض خلقه , هي المنة التي لا تنبثق إلا من فيض الكرم الإلهي . المنة الخالصة التي لا يقابلها شيء من جانب البشر . وإلا فمن هم هؤلاء الناس , ومن هم هؤلاء الخلق , حتى يذكرهم الله هذا الذكر , ويعنى بهم هذه العناية ? ويبلغ من حفاوة الله بهم , أن يرسل لهم رسولا من عنده , يحدثهم بآياته - سبحانه - وكلماته , لولا أن كرم الله يفيض بلا حساب , ويغمر خلائقه بلا سبب منهم ولا مقابل ?
وتتضاعف المنة بأن يكون هذا الرسول"من أنفسهم". . لم يقل"منهم"فإن للتعبير القرآني"من أنفسهم"ظلالا عميقة الإيحاء والدلالة . . إن الصلة بين المؤمنين والرسول هي صلة النفس بالنفس , لا صلة الفرد بالجنس .
فليست المسألة أنه واحد منهم وكفى . إنما هي أعمق من ذلك وأرقى . ثم إنهم بالإيمان يرتفعون إلى هذه الصلة بالرسول , ويصلون إلى هذا الأفق من الكرامة على الله . فهو منة على المؤمنين . . فالمنة مضاعفة , ممثلة في إرسال الرسول , وفي وصل أنفسهم بنفس الرسول , ونفس الرسول بأنفسهم على هذا النحو الحبيب .
ثم تتجلى هذه المنة العلوية في آثارها العملية . . في نفوسهم وحياتهم وتاريخهم الإنساني:
(يتلو عليهم آياته , ويزكيهم , ويعلمهم الكتاب والحكمة) . .
تتجلى هذه المنة في أكبر مجاليها . في تكريم الله لهم . بإرسال رسول من عنده يخاطبهم بكلام الله الجليل:
يتلو عليهم آياته . .
ولو تأمل الإنسان هذه المنة وحدها لراعته وهزته حتى ما يتمالك أن ينصب قامته أمام الله , حتى وهو يقف أمامه للشكر والصلاة !
ولو تأمل أن الله الجليل - سبحانه - يتكرم عليه , فيخاطبه بكلماته . يخاطبه ليحدثه عن ذاته الجليلة وصفاته ; وليعرفه بحقيقة الألوهية وخصائصها . ثم يخاطبه ليحدثه عن شأنه هو - هو الإنسان - هو العبد الصغير الضئيل - وعن حياته , وعن خوالجه , وعن حركاته وسكناته . يخاطبه ليدعوه إلى ما يحييه , وليرشده إلى ما يصلح قلبه وحاله , ويهتف به إلى جنة عرضها السماوات والأرض .
فهل هو إلا الكرم الفائض الذي يجري بهذه المنة , وهذا التفضل , وهذا العطاء ?
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 790)