الصفحة 285 من 3812

إن الله الجليل غني عن العالمين . وإن الإنسان الضئيل لهو الفقير المحووج . . ولكن الجليل هو الذي يحفل هذا الضئيل , ويتلمسه بعنايته , ويتابعه بدعوته ! والغني هو الذي يخاطب الفقير ويدعوه ويكرر دعوته ! فيا للكرم ! ويا للمنة ! ويا للفضل والعطاء الذي لا كفاء له من الشكر والوفاء !

(ويزكيهم) . .

يطهرهم ويرفعهم وينقيهم . يطهر قلوبهم وتصوراتهم ومشاعرهم . ويطهر بيوتهم وأعراضهم وصلاتهم . ويطهر حياتهم ومجتمعهم وأنظمتهم . . يطهرهم من أرجاس الشرك والوثنية والخرافة والأسطورة , وما تبثه في الحياة من مراسم وشعائر وعادات وتقاليد هابطة مزرية بالإنسان وبمعنى إنسانيته . . ويطهرم من دنس الحياة الجاهلية , وما تلوث به المشاعر والشعائر والتقاليد والقيم والمفاهيم .

وقد كان لكل جاهلية من حولهم أرجاسها , وكان للعرب جاهليتهم وأرجاسها .

من أرجاسها هذا الذي وصفه جعفر بن أبي طالب وهو يحدث نجاشي الحبشة في مواجهة رسولي قريش إليه , وقد جاءا إليه ليسلمهما المهاجرين من المسلمين عنده . . يقول جعفر:

"أيها الملك . كنا قوما أهل جاهلية , نعبد الأصنام , ونأكل الميتة , ونأتي الفواحش , ونقطع الأرحام ,ونسيء الجوار , ويأكل القوي منا الضعيف . . فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا , نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه . فدعانا إلى الله وحده لنوحده ونعبده , ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان , وأمرنا بصدق الحديث , وأداء الأمانة , وصلة الرحم , وحسن الجوار , والكف عن المحارم والدماء . ونهانا عن الفواحش , وقول الزور , وأكل مال اليتيم , وقذف المحصنات , وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا , وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . ."

ومن أرجاسها ما حكته عائشة - رضي الله عنها - وهي تصور أنواع الاتصال بين الجنسين في الجاهلية كما جاء في صحيح البخاري , في هذه الصورة الهابطة الحيوانية المزرية:

"إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء . فنكاح منها نكاح الناس اليوم:يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو بنته , فيصدقها , ثم ينكحها . . والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها:أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ! ويعتزلها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه ! فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب . وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الرجل ! فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع . . ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة , فيدخلون على المرأة , كلهم يصيبها . فإذا حملت ووضعت , ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم , فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع , حتى يجتمعوا عندها , تقول لهم:قد عرفتم الذي كان من أمركم , وقد ولدت . فهو إبنك يا فلان . تسمي من أحبت منهم باسمه فيلحق به ولدها . ولا يستطيع أن يمتنع منه الرجل ! والنكاح الرابع:يجتمع الناس الكثير , فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها - وهن البغايا , كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما - فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها , جمعوا لها , ودعوا لهم القافة , ثم الحقوا ولدها بالذي يرون , فالتاطه , ودعي إبنه , لا يمتنع من ذلك !". .

ودلالة هذه الصورة على هبوط التصور الإنساني وبهيميته لا تحتاج إلى تعليق . ويكفي تصور الرجل , وهو يرسل امرأته إلى"فلان"لتأتي له منه بولد نجيب . تماما كما يرسل ناقته أو فرسه أو بهيمته إلى الفحل النجيب , لتأتي له منه بنتاج جيد !

ويكفي تصور الرجال - ما دون العشرة ! - يدخلون إلى المرأة مجتمعين -"كلهم يصيبها !". . ثم تختار هي أحدهم لتلحق به ولدها !

أما البغاء - وهو الصورة الرابعة - فهو البغاء ! يزيد عليه إلحاق نتاجه برجل من البغاة ! لا يجد في ذلك معرة ! ولا يمتنع من ذلك !

إنه الوحل . الذي طهر الإسلام منه العرب . وزكاهم . وكانوا - لولا الإسلام - غارقين إلى الأذقان فيه !

ولم يكن هذا الوحل في العلاقات الجنسية إلا طرفا من النظرة الهابطة إلى المرأة في الجاهلية . يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه القيم:"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين":

"وكانت المرأة في المجتمع الجالهي عرضة غبن وحيف , تؤكل حقوقها , وتبتز أموالها , وتحرم من إرثها , وتعضل بعد الطلاق أو وفاة الزوج من أن تنكح زوجا ترضاه وتورث كما يورث المتاع أو الدابة عن ابن عباس قال:"كان الرجل إذا مات أبوه أو حموه , فهو أحق بامرأته , إن شاء أمسكها أو يحبسها حتىتفتدى بصداقها , أو تموت فيذهب بمالها". . وقال عطاء بن رباح . ."إن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل , فترك امرأة حبسها أهله على الصبي يكون فيهم". . وقال السدي:إن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو إبنه , فإذا مات وترك امرأته , فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه فهو أحق بها أن ينكحها بمهر صاحبه , أو ينكحها فيأخذ مهرها . وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهي أحق بنفسها". وكانت المرأة في الجاهلية يطفف معها الكيل , فيتمتع الرجل بحقوقه ولا تتمتع هي بحقوقها , يؤخذ مما تؤتي من مهر , وتمسك ضرارا للاعتداء . وتلاقي من بعلها نشوزا أو إعراضا , وتترك في بعض الأحيان كالمعلقة . ومن المأكولات ما هو خالص للذكور ومحرم على الإناث . وكان يسوغ للرجل أن يتزوج ما يشاء من غير تحديد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت