الصفحة 293 من 3812

وهذا تعريف عام يشمل الأقوال والأفعال وسائر التصرفات ، ولعلك أخي الفاضل تدرك أن الحكمة التي نرمي إلى بيانها في هذه المقالة هي الحكمة التي ينبغي أن يتصف بها القائم بالدعوة إلى الله ، ومن أجل هذا فهي غالبا ما تكون قولا في علم وموعظة أو تصرفا نحو الآخرين من أجل دفعهم إلى الخير أو صرفهم عن الشر .

وفي هذا المفهوم . يقول ابن زيد: ( كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة ) .

وأدق من هذا قول أبي جعفر محمد بن يعقوب: ( كل صواب من القول ورث فعلا صحيحا فهو حكمة ) . وفي تعريفات الجرجاني: ( كل كلام وافق الحق فهو حكمة ) .

وفي قوله تعالى: { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا } سورة البقرة ، آية: 269 . .

ربطت الآية الكريمة بين الحكمة والخير ، ووجه هذا الارتباط أن الحكمة تشمل المعاني الصائبة من السداد في القول والفعل .

وبمعنى آخر: فإن الحكمة إتقان العلم وإجراء الفعل على وفق ذلك العلم ، ومن شاء إيتاءه هذه الحكمة - أي خلقه مستعدا لذلك قابلا له ، من سلامة التفكير واعتدال القوى والطبائع - فيكون قابلا لفهم الحقائق منقادا إلى الحق إذا لاح له ، لا يصده عن ذلك هوى ولا عصبية ولا مكابرة ولا أنفة . ثم ييسر له أسباب ذلك من حضور الدعاة وسلامة البقعة من المعاندين العتاة ، فإذا انضم إلى ذلك توجهه إلى الله بأن يزيد أسبابه تيسيرا ، ويمنع عنه ما يحجب الفهم فقد كمل له التيسير .

وحينئذ يتحقق له الخير الكثير في قوله سبحانه: { فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا } .

فالخير الكثير منجر إليه سداد الرأي والهدى الإلهي ، ومن تفاريع هذا الخير ما يتولد من قواعد الحكمة التي تعصم من الوقوع في الغلط والضلال بمقدار التوكل في فهمها واستحضار مهمها . لأنك إذا تتبعت ما يحل بالناس من المصائب تجد معظمها من جراء الجهالة والضلالة والرأي الآفن ، وبعكس ذلك فإن ما يجتنيه الناس من المنافع والملائمات مجتلب من المعارف والعلم بالحقائق ، ولو علم الناس الحق على وجهه لاجتنبوا مواقع البؤس والشقاء (1) .

يتبين من مجموع ما سبق أن الحكمة كلمة عامة تشمل الأقوال التي فيها إيقاظ للنفس ووصاية بالخير ، وإخبار بتجارب السعادة والشقاوة ، وكليات جامعة لأصول الآداب . . . فهي معرفة خالصة من شوائب الأخطاء وبقايا الجهل في تعليم الناس وتهذيبهم وتوجيههم .

إنها اسم جامع لكل كلام أو علم يراعى فيه إصلاح حال الناس واعتقادهم إصلاحا مستمرا لا يتغير (2) .

إطلاقات الحكمة:

وردت كلمة الحكمة في نصوص الشرع مرادا بها ما يخدم المعنى السابق .

فوردت مرادا بها: الكتب السماوية من القرآن والإنجيل وغيرها .

ومرادا بها: النبوة ، والهدى ، والرشاد ، والعدل ، والعلم ، والحلم والتفقه (3) .

الموعظة الحسنة:

يلحظ في التعريف السابق للحكمة أن الموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن داخلان في مفهوم الحكمة .

ولكن يحسن تخصيصهما بمزيد تعريف وإيضاح لأن المقام مقام بسط لمفهوم الحكمة ، وقد جاءا مخصوصين بالذكر في قوله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } سورة النحل ، آية: 125 . .

وإذا كانا داخلين في معنى الحكمة بالمعنى السابق فيكون عطفهما في الآية الكريمة من عطف الخاص على العام .

والأصل في الموعظة أنها: القول الذي يلين نفس المخاطب ليستعد لفعل الخير والاستجابة له .

والموعظة في معناها تدل على ما يجمع الرغبة بالرهبة والإنذار بالبشارة ولهذا قال ابن عطية:

( الموعظة الحسنة: التخويف والترجئة والتلطف بالإنسان بأن تجله وتنشطه وتجعله بصورة من يقبل الفضائل ) (4) .

ويشير الزمخشري إلى معنى لطيف في هذا حين يقول: ( إن الموعظة الحسنة هي التي لا تخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم ) .

والخلاصة أنها: تذكير بالخير فيما يرق له القلب (5) .

وهذه إشارة جميلة عرض لها أهل العلم في السر في وصف الموعظة بالحسنة ولم يرد ذلك في الحكمة فقد قالوا: قيدت الموعظة بالحسنة ولم تقيد الحكمة لأن الحكمة هي تعليم لمتطلبي الكمال من معلم يهتم بتعليم طلابه فلا تكون إلا في حالة حسنة فلا حاجة إلى التنبيه على أن تكون حسنة .

أما الموعظة الحسنة فلما كان المقصود منها غالبا ردع نفس الموعظ عن أعمال سيئة أو عن توقع ذلك منه ، كانت مظنة لصدور غلظة من الواعظ ولحصول انكسار في نفس الموعوظ .

ومن الوعظ الحسن إلانة القول وترغيب الموعوظ في الخير: { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } سورة طه ، الآيتان: 43 ، 44 ..

الجدال بالتي هي أحسن:

الجدل في أصله: الاحتجاج لتصويب رأي ورد ما يخالفه . فهو حوار وتبادل في الأدلة ومناقشتها . وهو حال أوسع من الخصام والمخاصمة على أن المخاصمة نوع جدل من حيث هي تراد في الكلام والحجج .

ومن أجل هذا قال الجرجاني في تعريفاته:

الجدل: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة أو بقصد تصحيح كلامه ، قال: وهو الخصومة في الحقيقة .

(1) - التنوير والتحرير 3 / 64 .

(2) - التنوير والتحرير 3 60 - 63 ، 41 / 35 .

(3) - لسان العرب 12 / 140 -142 . المعجم الوسيط 1 / 90 . القاموس المحيط 4 / 98 .

(4) - التعريفات 132 .

(5) - البحر المحيط 5 / 549 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت