الصفحة 294 من 3812

غير أن الذي نعنيه هنا هو الجدال والمحاجة والحوار بما لا يرقى إلى الخصومة ، إلا إذا اعتبرنا الجدال مع الظالمين خصومة ؛ لأنه قد تجرد منه نعت الحسن ، وإذا احتاج رجل الدعوة إلى الجدال فليكن بالتي هي أحسن .

وقريب من التوجيه المذكور في الموعظة الحسنة يقال هنا . ويكون حسن الجدال في الالتزام بموضوعيته ، وبعده عن الانفعال ، والترفع عن المسائل الصغيرة في مقابل القضايا الكبرى ، حفظا للوقت وعزة للنفس وكمالا للمروءة ، مع الحرص على الرفق واللين ، والبعد عن الفظاظة والتعنيف ، ويدخل في الجدل الحسن كما يقول الطاهر بن عاشور (1) :

( رد تكذيب المعاندين بكلام غير صريح في إبطال قولهم من الكلام الموجه: مثل قوله تعالى: { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } سورة سبأ ، الآية: 24 . . وقوله: { وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } { اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } سورة الحج ، الآيتان: 68 ، 69 .

إشارات في حلية الداعي من الصفات الباعثة للحكمة:

قبل الخوض في الكلام على الحكمة ومفهومها ، وبناء على الإشارات السابقة من معنى الحكمة ، وما يحتاجه صاحب الدعوة من سلامة التفكير واعتدال القوى والبعد عن العصبية والمكابرة:

أحب أن أشير إلى بعض الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الداعي ، فمنها بتوفيق الله تنبعث الحكمة ويتحقق المقصود من تبليغ الحق على بصيرة . ومن ذلك:

أ - التقوى:

ويقصد بها كل معانيها من فعل المأمورات وترك المنهيات والتحلي بصفات أهل الإيمان . فتقوى الله بشمولها إذا رزقها العبد ، فإنها تنير القلب وتفتح المدارك ، ويستبصر بها موهوبها مواطن الحق ، ويهتدي بها إلى الوسائل والأساليب الصحيحة الملائمة للظروف والأحوال والأشخاص ، فالعاقبة للتقوى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } سورة الطلاق ، آية: وأولياء الله هم المتقون . .

ب - الإخلاص:

وهذا باب عظيم معلوم نظريا ولكن تحقيقه - والله - إنه لعزيز . ومن حقق هذه الصفة لم يلتفت إلى نظر الناس ولا إلى أشيائهم أو تلمس مراضيهم ، ويحضرني هنا قول الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -: إن بعض الناس يدعو إلى الله وهو إنما يدعو إلى نفسه .

وأعظم الناس مطالبة بهذه الخصلة وأشد الناس حاجة إليها العلماء والدعاة . ومن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة من ضيع هذه الخصلة ، ولقد قال الغزالي - رحمه الله - في الإحياء محذرا من الشهوة الخفية الداعية إلى الشرك الخفي:

( إن الداعي قد يرى حين الدعوة والقيام بها عز نفسه بالعلم والدين ، وذل غيره بالجهل والتقصير ، فربما قصد بالدعوة إظهار التميز على غيره ، وإذلال المدعو بإشعاره - ولو من طرف خفي - بالجهل وخسة أهل الجهل والتقصير وسوء حال المقصرين ) .

قال: ( وهذه مذلة عظيمة وغائلة هائلة ، وغرور للشيطان يطوق به كل إنسان إلا من عرفه الله عيوب نفسه ، وفتح بصيرته بنور هدايته . فإن في الاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة ) .

ولم يقتصر الغزالي - رحمه الله - على هذا الإيضاح بل زاد في بيان المعيار والمحك في ذلك حيث قال: ( وهناك محك ومعيار ينبغي أن يمتحن الداعي به نفسه ، وهو أن يكون قيام غيره بالدعوة وإصلاح الناس واستجابتهم لغيره أحب إليه من استجابتهم له . فإن كان يود أن يكفيه غيره فهو على خير ، وإن كان لا يحب ذلك لغيره من أهل العلم والدعوة فما هو إلا متبع هوى نفسه ، متوسل إلى إظهار جاه نفسه بواسطة دعوته . فليتق الله تعالى فيه وليدع أولا نفسه ) (2) .

لكن قوله: ( أن يكون دعوة غيره أحب إليه من دعوته بنفسه ) هذا عندي محل نظر ، وبخاصة مع قوله عليه الصلاة والسلام: « فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم » متفق عليه من حديث سهل به سعد . .

فالتنافس في هذا تنافس على الخير ، ومع قوله تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا } سورة فصلت ، آية: 33 . .

ويتلمس الإخلاص وصلاح النية في غير المنافسة المشروعة .

ج - العلم:

وهو المقصود الأعظم من البصيرة في قوله تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } سورة يوسف ، آية: 108 ..

بل إن من معاني الحكمة البارزة - التي نحن بصدد الحديث عنها - العلم كما سبق .

فالبصيرة تجمع العلم والحكمة وهذه الخصلة لا تحتاج إلى مزيد من بسط فهي معلومة ظاهرة ، ويكفي في هذا التنبيه إلى ترجمة البخاري - رحمه الله - في صحيحه حين قال: باب العلم قبل القول والعمل ، مستدلا بقوله تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } سورة محمد ، آية: 19

قال رحمه الله: ( فبدأ بالعلم قبل القول والعمل ) .

وفي هذا يقول الحسن البصري - رحمه الله - ( العامل بغير علم كالسائر على غير هدى ) .

وفي مأثور الحكم: ( من تمسك بغير أصل ذل ومن سلك طريقا بغير دليل ضل ) .

ويشمل العلم الفهم الدقيق لما جاء في الكتاب والسنة ، وسير السلف الصالح ، وفهوم أهل العلم والفقه علما وعملا .

د - التواضع:

(1) - التحرير 14 / 325 - 330

(2) - بتصرف وحذف ، الإحياء 2 / 329 . وما بعدها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت