فهرس الكتاب
من طبائع الناس أنهم لا يقبلون من يستطيل عليهم أو يبدو منه احتقارهم أو استصغارهم ، ولو كان ما يقوله حقا وصدقا . بل إن الاستعلاء سبب ظاهر في كره الحق ورفضه .
ومن أجل هذا فإن التواضع ثمرة المعرفة بالله وبالنفس . يقول الخليفة أبو بكر - رضي الله عنه - ( لا يحتقرن أحد أحدا من المسلمين فإن صغير المسلمين عند الله كبير ) وقد خاطب الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله:
{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } سورة الكهف ، آية: 28 . .
ويقول ابن الحجاج: ( من أراد الرفعة فليتواضع لله تعالى فإن العزة لا تقع إلا بقدر النزول . . ) .
ومما يلحق بهذا الباب العلم بأن من طبائع النفوس النفرة ممن يكثر الحديث عن نفسه أو يستجلب الثناء عليها أو يستدر لها المديح .
فالفضل من الله ، ومن تحدث إلى الناس فليتحدث إليهم بفضل الله لا بفضل نفسه .
هـ - الحلم:
ما الحلم إلا ضبط النفس عند الغضب ، والنزوع إلى العقل عند ثورة الانفعال . وما هذا - وربك - إلا شارات القوة وعنوان البطولة « ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب » متفق عليه من حديث سهل بن سعد .
ومن أحوج بهذا الخلق من رجل الدعوة الذي ميدانه صدور الرجال ونفوس البشر .
ومن أبرز صور الحلم . . كظم الغيظ . . ثم يعقبه في الترقي العفو عن الناس ، وتلك صفات المتقين أهل الجنة التي عرضها السماوات والأرض .
ومن رزق الحلم ترقى في درجاته . . فيصل من قطعه ، ويعفو عمن ظلمه ، ويحسن إلى من أساء إليه . ويخطئ من يظن أن الحلم عجز ، وأن العفو ضعف ، وأن الإعراض عن الجاهل خوف وخور . ولا يقول ذلك إلا من تأخذه العزة بالإثم ، وهو خلق ذميم يتنافى مع الحلم كما ترى .
خرج زين العابدين بن علي بن الحسين - رضي الله عنه وعن آبائه - من المسجد يوما فسبه رجل فانتدب الناس إليه . فقال: دعوه . ثم أقبل عليه فقال: ما ستره الله عنك من عيوبنا أكثر . ألك حاجة نعينك عليها ؟ فاستحيا الرجل فألقى إليه خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم فكان الرجل إذا رآه قال: إنك من أولاد الأنبياء .
الغلظة والفظاظة:
عن سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي قال: يعجبني من القراء (1) كل سهل طلق مضحاك ، فأما من تلقاه ببشر ويلقاك بضرس (2) ، يمن عليك بعلمه فلا كثر الله في الناس أمثال هؤلاء .
أيها الدعاة: الناس في حاجة إلى كنف رحيم وبشاشة سمحة . بحاجة إلى ود يسعهم وحلم لا يضيق بجهلهم . بحاجة إلى من يحمل همومهم ، ولا يثقل عليهم بهمومه . . يجدون في رحابه العطف والرضا .
من أجل هذا جاءت الرحمة الربانية لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الرسول القدوة: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ } سورة آل عمران , آية: 159 .
فما غضب لنفسه قط ، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري . وأعطاهم كل ما ملكت يداه ، وما نازعهم في شيء من أعراضهم ، وسعهم حلمه وبره وعطفه .
حينما يوهب العبد قلبا رحيما وطبعا رقيقا مع العلم والحكمة . . فإنه لا يستكثر على الصغير والجاهل أن يصدر منهما صدود عن النصح ، والدنيا مليئة بمن لا يحبون الناصحين .
نعم إن الداعي الحق ذا الخبرة والمراس لا يعجب من صدود الناس ونفرتهم . . لكن رحمته بهم وشفقته عليهم لا تنفك تغريه بمعاودة الكرة تلو الكرة ، كما يعاود الوالدان الحريصان على أولادهما في الإلحاح بالغذاء والدواء في حالي الصحة والمرض . بل لقد جاء في حديث أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إنما أنا لكم مثل الوالد لولده » .
وهل رأيت ، أعظم شفقة من الوالد على ولده . وكم قابل محمد صلى الله عليه وسلم إعراض قومه بابتهاله النبوي: « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » .
من معالم الحكمة في الدعوة:
وبعد هذه التقدمة التي أظنكم استشعرتم من خلالها بعض معالم تشير إلى مواطن الحكمة ومسالكها عن طريق معرفة حقيقة الحكمة وأبرز الصفات في رجل الدعوة . أحب أن أبسط بعض البسط في معالم أراها حقيقة بذلك:
وسوف يكون هذا البسط من خلال التعرف على طبائع النفوس ، وطبقات المدعوين ، وتخير الأوقات ، وانتهاز المناسبات . ثم النظر في طرائق الدعوة وأساليبها . . من إحسان في القول ، والحرص على التلميح إذا أمكن الاستغناء به عن التصريح ، والقصد إلى الستر والنصيحة ، والبعد قدر الإمكان عن التشهير الذي قد ينقلب إلى فضيحة مع سلوك المداراة المشروعة ، وإقالة العثرات ما أمكن ، وإليك أخي الفاضل بسطا لبعض هذه المعالم:
المعلم الأول: طبائع النفوس وطبقات المدعوين:
الناس متباينون في طبائعهم ، مختلفون في مدركاتهم ، في العلم والذكاء ، في الأمزجة والمشاعر ، مختلفون في الميول والاتجاهات . مما يدعو رجل العلم والدعوة إلى تخير المدخل . . بل المداخل المناسبة لتلك النفوس المختلفة والعقول المتباينة .
نعم ، إن فيهم الغضوب والهادئ ، وفيهم المثقف والأمي ، فيهم الوجيه وغير الوجيه .
بل إن ثمة كلمة لعلي - رضي الله عنه - يصف فيها القلوب ، كل القلوب بأنها وحشية فهو يقول: ( القلوب وحشية فمن تألفها أقبلت عليه ) .
(1) - القراء: العلماء
(2) - ضرس: أي شرس لفظا ومعنى