الصفحة 296 من 3812

إنه يصورها رضي الله عنه وكأنها دواب متوحشة لا تعرف الألفة في طبعها ويبدو هذا والله أعلم في ميدان النصائح والتوجيهات . فهل رأيت من يرضى أن تنسبه إلى جهل أو عدم معرفة أو سوء في التصرف . إن الإنسان يعظم عليه أن ينسب إلى الجهل ، ولذا تراه يغضب إذا نبه على الخطأ ، ويجتهد في مجاهدة الحق بعد معرفته خيفة انكشاف جهله .

إنها في هذا الباب تنفر إذا قرب منها ، بل لعلها بدافع الدفاع عن النفس تهجم وتؤذي ، ومن كان صاحب حكمة وفطنة في ترويض الوحوش فهو المفلح بتوفيق الله في هداية الناس .

وصاحب الترويض الناجح هو الذي يحرص على تلمس الجانب الطيب في نفوس الناس ، وتقصد إلى شيء من العطف على أخطائهم وحماقاتهم . . شيء من العناية - غير المتصنعة - باهتماماتهم وهمومهم . وسوف يصل إلى مصدر النبع الخير في نفوسهم ، وحينئذ يمنحونه حبهم وثقتهم .

إن شيئا من سعة الصدر ، والإحاطة بطبائع النفوس . . كفيل بتحقيق الخير في الناس بنتيجة لا يظنها الكثيرون ، ينبني على ذلك ملاحظة استيعاب المدعو وسعة مداركه ، فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فيوقعه إما في النفرة والشرود ، وإما في التخبط الفكري والدخول في غياهب الفتن .

وفي ذلك يقول ابن مسعود - رضي الله عنه - . ( ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ) . ويقول علي - رضي الله عنه -: ( حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله ) .

المعلم الثاني: تخير الأوقات وانتهاز المناسبات:

هذا معلم كبير ومؤثر من معالم الحكمة وتلمسها ، يبلور ذلك كلمة جامعة لعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: ( إن للقلوب شهوة وإقبالا وفترة وإدبارا ، فخذوها عند شهوتها وإقبالها ، وذروها عند فترتها وإدبارها ) وقد كان - رضي الله عنه - يذكرهم كل خميس ، فقال رجل: لوددت أنك ذكرتنا كل يوم ، فقال: ( أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم ، وإني أتخولكم بالموعظة كما « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا مخافة السآمة علينا » متفق عليه .

ولأمر ما ، كان نزول كتاب ربنا منجما ومفرقا على المناسبات والأحداث والأزمنة والأمكنة .

وأنت خبير أن إقبال الناس في رمضان يختلف عنه غيره ، وقل مثل ذلك في المناسبات المختلفة ، والأحداث المتجددة من وقائع الأفراح أو حلول المصائب ، فأخذ الناس بهذا ومراعاة تقلبات الدهر من حولهم يدرك به سرا عظيما في التأثير والاستجابة ، وإن شئت مزيدا في هذا فانظر في الأوقات والأحوال التي يتأكد فيها استحباب الدعاء . . كأوقات السحر ، ونزول الغيث ، والتقاء الجيوش

وإن رغبت في واقعة فانظر في حكمة يوسف عليه السلام حين استغل الفرصة مع الفتيين عند تعبير رؤياهما وظروف سجنهما فدعاهما إلى الله الواحد الأحد .

{ يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } { مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } سورة يوسف ، الآيتان: 39 ، 40 . .

يلتحق بذلك مراعاة الأعراف والتقاليد المرعية والطبائع في الحرف والصناعات . وقد يكون فيما أشار إليه أهل العلم رحمهم الله من تنوع معجزات أنبياء الله ومناسباتها مع ما يسود البيئات من علوم ومعارف كعصا موسى عليه السلام في بيئات السحرة ، وإبراء عيسى عليه السلام في بيئات الطب ، وكتاب محمد صلى الله عليه وسلم في بلاغة العرب ما يشير إلى ما قصدناه .

المعلم الثالث: مراعاة التدرج وترتيب الأولويات:

ما قيل في طبقات المدعوين ، وطبائع النفوس ، وملاحظة المناسبات . . يقابله نظر آخر في المدعو إليه فلا شك أن الحكمة تقتضي النظر في متدرجات أمور الدعوة ، لأخذ الناس بالأول فالأول . فقضايا العقيدة وأصول الملة والديانة تأتي في المقام الأول . فهي إن لم تصح في العبد ، فلن يجدي فيه الصنيع الحسن والعمل الطيب: { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا } { الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } { أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } سورة الكهف ، الآيات: 103 - 105 . .

ففي الدعوة كليات وجزئيات ، وواجبات ومستحبات ومحرمات ومكروهات ، وقضايا كبرى وصغرى . . كل يجب أن تعرف مواقعها وتوضع في مواضعها .

وأظن الأمر أوضح من أن يبسط القول فيه ، وخذوا دليلا: منهاج مندوب الدعوة ومبعوثها إلى اليمن معاذ بن جبل رضي الله عنه وقد رسم له الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المنهج حين قال له: « إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . فإن هم أطاعوا لك بذلك . . فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لذلك . . فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم » متفق عليه .

معالم الحكمة في أساليب الدعوة:

يقصد بالأساليب هنا ما يتعاطاه رجل الدعوة من طرق وصيغ يتوصل من خلالها إلى إبلاغ الحق إلى الناس ، وتبصيرهم بما ينفعهم ودفع ما يضرهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت