الصفحة 297 من 3812

وهذه الأساليب في جملتها قولية كلامية ، أو تعامل مباشر مع المدعوين في ترفق ولين ، وغض عن الهفوات ، وسلوك نهجي الترغيب والترهيب ، والشدة واللين .

وهذا شيء من بسط لهذه الأساليب:

المعلم الأول: القول الحسن:

إذا أحكم صاحب الدعوة قوله وسدد لفظه فقد أوتي من الحكمة بابا عظيما . يقول الله عز وجل: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } سورة البقرة ، آية: 83 . .

ويقول طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ ؟ فقال: لا تفعل . يقول الله تعالى: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } . يقول عطاء: فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي !!

وأورد القرطبي في تفسيره على هذه الآية حديثا عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « يا عائشة لا تكوني فحاشة فإن الفحش لو كان رجلا لكان رجل سوء » (1) .

ويعلق القرطبي رحمه الله فيقول: وهذا حض على مكارم الأخلاق فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا ، ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر ، والقريب والغريب من غير مداهنة . ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه . . إلخ (2) .

والقول يكون حسنا وحكمة بقدر ما يعتني بأصول الكلام ، ويبتعد عن فضوله . . يتحرك بنبضات القلب الحي ، وهواجس النفس الصادقة .

ويحسن الكلام حين يكون قصدا عدلا ليس بالإيجاز المخل ولا الطويل الممل ، وقد كانت خطبه عليه الصلاة والسلام قصدا كما في الحديث الصحيح عند مسلم من رواية جابر بن سمرة رضي الله عنه . وتأملوا في هذا الحوار الهادئ ، والقول الحسن في الجدال الحسن: « فهذا حصين الخزاعي والد عمران كانت قريش تعظمه وتجله فطلبت منه أن يكلم محمدا صلى الله عليه وسلم في آلهتها فقد كان محمد يذكرها ويسبها . فجاء حصين ومعه قريش حتى جلسوا قريبا من باب النبي صلى الله عليه وسلم ودخل حصين فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: أوسعوا للشيخ ، فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك ؟ أنك تشتم آلهتنا . فقال: يا حصين كم تعبد من آله ؟ قال سبعا في الأرض ، وواحدا في السماء . فقال: فإذا أصابك الضر فمن تدعو ؟ قال: الذي في السماء . قال: فإذا هلك المال من تدعو ؟ قال: الذي في السماء . قال: يستجيب لك وحده وتشرك معه ؟ يا حصين أسلم تسلم ، فأسلم فقام إليه ولده عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه . فلما أراد حصين الخروج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شيعوه إلى منزله » (3) .

عجبا ! دخل كافرا ناقما منتقما . . فخرج مسلما صادقا . ليت شعري كيف كان حال قريش مع صاحبها ووجيهها !!

ويدخل في ذلك: القول اللين الذي يستثير النوازع البشرية ووشائج القربى ، وعبارات الحنو والشفقة ، فإبراهيم عليه السلام ينادي أباه بكلمات شفوقة . { يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا } { يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا } { يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا } { قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } { قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } سورة مريم ، الآيات: 42 - 47 . .

وكل نبي يقول لقومه: يا قوم تذكيرا بأواصر القربى ومواطن الحب والشفقة .

ومحمد صلى الله عليه وسلم يقول لقومه في كلمة رقيقة في دعوة رفيقة: « إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ولو غششت الناس جميعا ما غششتكم » .

المعلم الثاني: التصريح والتعريض .

ومن القول الحسن الجنوح إلى التعريض والتلميح دون التصريح .

فالتصريح يهتك حجاب الهيبة ، ويورث الجرأة على الهجوم ، والتبجح بالمخالفة ، ويهيج على الإصرار والعناد .

أما التعريض فيستميل النفوس الفاضلة ، والأذهان الذكية ، والبصائر اللماحة .

قيل لإبراهيم بن أدهم: الرجل يرى من الرجل الشيء أو يبلغه عنه ، أيقوله له ؟ قال: هذا تبكيت ، ولكن تعرض .

وكل ذلك من أجل رفع الحرج عن النفوس ، واستثارة داعي الخير فيها . كيف والتعريض سنة محفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مخاطبة أصحابه: « ما بال أقوام يفعلون كذا ويقولون كذا » .

المعلم الثالث: النصيحة لا الفضيحة .

أردت تخصيص النصيحة بالذكر هنا وإن كانت داخلة في كل ما سبق . . بل النصيحة مقصود أعظم في الدعوة . إن لم تكن هي الدعوة كلها .

ولكن المراد هنا الإشارة إلى آداب النصيحة كمظهر من مظاهر الحكمة في الدعوة ، وبخاصة إذا ما حاولنا البعد بالنصيحة عن أن تكون تشهيرا وفضيحة . يوضح ذلك في ما رمناه الحافظ ابن القيم - رحمه الله - حين يقول: ( والنصيحة إحسان إلى من تنصحه بصورة الرحمة والشفقة عليه والغيرة له ، وعليه فهو إحسان محض يصدر عن رحمة ورقة ، مراد الناصح بها وجه الله ورضاه والإحسان إلى خلقه . . . ) .

فهي دعوة إصلاح يجب أن يتمخض فيها الإخلاص لله ، مع المحافظة على مشاعر المنصوح على نحو ما سبق في المعالم السابقة لئلا ينقلب النصح مخاصمة وجدالا وشرا ونزاعا .

(1) - القرطبي 2 / 16 .

(2) - القرطبي 2 / 16 .

(3) - أهل العلم مختلفون في إسلام حصين ، والأرجح القول بإسلامه كما ذكر الحافظ ابن حجر وغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت