الصفحة 298 من 3812

يؤكد جانب الدقة في هذا الأمر أن ذكر الإنسان بما يذكره هو على أصل التحريم . وقد قيل لبعض السلف: ( أتحب أن يخبرك أحد بعيوبك فقال: إن كان يريد أن يوبخني فلا ) .

ولا يكاد يفرق بين النصيحة والتعيير إلا النية والباعث والحرص على الستر ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم السيد أن يثرب أمته - أي يلومها على ذنبها - فقال عليه الصلاة والسلام: « إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب » . . ."الحديث متفق عليه .."

يقول الفضيل: ( المؤمن يستر وينصح ، والفاجر يهتك ويعير ) وكانوا يقولون: ( من أمر أخاه على رءوس الملأ فقد عيره ) .

ذلك أن الناصح الصادق ليس له غرض في إشاعة عيوب من ينصح له ، وإنما غرضه إزالة المفسدة ، وإخراج أخيه من غوائلها .

وشتان بين من قصده النصيحة ، ومن قصده الفضيحة ، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى .

وكما قالت أم الدرداء: ( من وعظ أخاه سرا فقد زانه ، ومن وعظه علانية فقد شانه ) .

المعلم الربع: أدب التعامل .

كان الكلام فيما سبق تنبيها على مواطن الحكمة في القول والمخاطبة وحسن المجادلة .

وفي هذه الفقرات إشارات إلى بعض ما ينبغي من أدب التعامل مع المدعوين ، وبخاصة حينما يرى عليهم ما يستحق التنبيه ، ويستوجب الملاحظة والتغيير .

وسوف ينتظم هذا الحديث صورا من اللين في التعامل ، ثم المداراة وإقالة العثرات ، ومواطن الترغيب والترهيب .

صورة من اللين في التعامل

النفوس مجبولة على حب من يحسن إليها ويتلقاها باللين ويبسط لها في المحيا .

والشدة قد تدفع إلى المكابرة والنفور والإصرار ، فتأخذ النفس العزة بالإثم . على نحو ما سبق بسطه ، فالتعامل المؤثر ما كان دمثا يفتح القلوب ويشرح الصدور فمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمؤمنون رحماء بينهم .

يروي معاوية بن الحكم السلمي - رضي الله عنه - قال: « صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله . فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أماه ، ما شأنكم تنظرون ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فعرفت أنهم يصمتونني فلما رأيتهم يسكتونني لكني سكت . قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي وأمي ما ضربني ولا سبني » .

وفي رواية: « فما رأيت معلما قط أرفق من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال:"إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن » ."

وفي مدلولها قصة الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد فقام الصحابة لينهروه فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فلما فرغ دعاه عليه الصلاة والسلام قائلا له: « إن المساجد لا تصلح لهذا إنما هي لذكر الله والصلاة". فولى الأعرابي وهو يقول: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك:"لقد حجرت واسعا » .

قال الحافظ معلقا على أمثال هذه الوقائع: والمراد من قرب إسلامه وترك التشديد عليه في الابتداء ، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل ، وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج ، لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلا حبب إلى من يدخل فيه وتلقاه بانبساط ، وكانت عاقبته غالبا الازدياد بخلاف ضده ، والله أعلم .

وفي هذا يقول الإمام أحمد: ( كان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون: مهلا رحمكم الله ) .

ودعي الحسن البصري - رحمه الله - إلى عرس فجيء بجام من فضة ( أي قدح أو إناء ) عليه خبيص أو طعام ( والخبيص طعام من التمر والسمن ) فتناوله فقلبه على رغيف فأصاب منه فقال رجل: هذا نهي في سكون .

ويروى أن الخليفة المأمون وعظه واعظ فأغلظ له في القول فقال: يا رجل ارفق فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق . فقال تعالى: { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } سورة طه ، الآيتان: 43 - 44.

المعلم الخامس: المداراة .

المداراة صورة من صور التعامل الدال على الحكمة ، والموصل إلى المقصود مع حفظ ما للداعي والمدعو من كرامة ومروءة .

وقد بوب الإمام البخاري - رحمه الله - في صحيحه فقال: المداراة مع الناس ، ثم أورد حديث عائشة رضي الله عنها أنه « استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال:"ائذنوا له فبئس ابن العشيرة ، أو بئس أخو العشيرة . فلما دخل ألان له الكلام . تقول عائشة: فقلت يا رسول الله: قلت ما قلت ثم ألنت له القول ؟ فقال: أي عائشة ، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه » ."

قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين ، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلام وترك الإغلاظ ، وذلك من أقوى أسباب الألفة . قال: وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط ، لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة ، والفرق: أن المداهنة من الدهان: وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضى بما هو فيه من كير إنكار عليه .

والمداراة: هي الرفق بالجاهل في التعليم ، وبالفاسق في النهي عن فعله ، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه ، والإنكار عليه بلطف القول والفعل ، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك . اهـ .

إذا تقرر هذا المعنى فهو الذي قد عناه الحسن البصري - رحمه الله - بقوله: كانوا يقولون: المداراة نصف العقل ، وأنا أقول هي كل العقل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت