المنافق الذي يطمع في الحصول على المميزات، وأما عند الشدائد فلا يدخل إلا الصادقون،وقد نجحت تلك السياسة التي اتبعها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحفاظ على الدعوة وعلى الدعاة أما الدعاة فلم يحملهم ما لا يطيقون ولم يجعل ارتباطهم بالأرض والوطن مما يُحرص عليه وإن أضر بدينهم بل سمح لمن لا تسمح له أوضاعه القبلية بالحماية أو المنعة بالخروج إلى الهجرة أو الإسرار بالدين إلى حين الظهور والغلبة، وأما الحفاظ على الدعوة فبالمرابطة والتواجد وعدم إخلاء الساحة عند الشدة (ما لم تصل إلى حد القضاء على الدعاة وإفنائهم) ، فالفئة التي لم تستطع تحمل الأذى خرجت إبقاء وحفاظا عليهم، والفئة القادرة على التحمل بقيت للقيام بالواجب، إلى أن وجد المسلمون أرضا تقلهم (المدينة) وجماعة تؤويهم وتحميهم (الأنصار) فانتقلوا إليها بكليتهم، فالأرض كلها لله والمسلم يبذر بذره في الأرض التي تقبلها حتى تؤتي أكلها:"والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا"فإذا ضيق على الدعاة في أوطانهم ولم يعد لهم إمكانية الدعوة لدين الله رغم توسلهم لذلك بمختلف السبل فإن أرض الله واسعة"ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله"وبهذا يتبين أن الهجرة في سبيل الله عندما تسد السبل على الدعاة وكذلك البقاء والقيام بالدعوة عندما يكون هناك أمل أو احتمال في الاستجابة كلاهما يتكامل في بيان معنى من معاني الجهاد والاجتهاد في تحقيق مرضاة الله فليس المهاجر في سبيل الله الذي يترك وطنه ومسقط رأسه ليحافظ على دينه جنانا خوافا خرج فارا بنفسه تاركا ما وجب عليه من الدعوة إلى الله، وليس من بقي بين القوم يدعوهم إلى الله متهورا هجاما على الأمور لا يقدرها حق قدرها، غير أن ترك الأوطان والهجرة منها ليس قدرا محتوما في مسير الدعوات وأنه ينبغي على كل داعية أن يهاجر من بلده كما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وإنما هي سياسة جزئية يُلجأ إليها عند الحاجة وإلا لو قدر أن أهل البلدة استجابوا للدعوة لم يكن هناك ما يسوغ الخروج، بل الخروج في هذه الحالة يعد تفريطا وتضييعا للدعوة وإماتة لها، فلو أن أهل مكة آمنوا بالرسول لمِّا دعاهم إلى الله من أول الأمر وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ليهاجر ويخرج من مكة يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم الذي تقدم"ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت"