5-تقديم الأصول على الفروع: ومن السياسة في الدعوة إلى الله تقديم الأصول على الفروع إذ الفرع الذي لا أصل له مقطوع مبتوت وإن طال به الزمن، وتقديم ما يلزم وجوده لصحة الأقوال والأفعال على الأقوال والأفعال نفسها، وهذا يتبادر لكثير من الناس أنه أمر منطقي لا ينبغي الاختلاف حوله أو العمل بغيره، لكن عند التطبيق نجد هذا الأمر مهملا في كثير من الحالات وقد أشار إلى هذه السياسة وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه عندما أرسله إلى اليمن داعيا فقال له:"إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس"وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم"فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم ..."الحديث ففيه تقديم عبادة الله وتوحيده والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم على الصلاة والزكاة وسائر فروض الإسلام إذ لا يصح شيء من أداء هذه الفرائض إلا بعد الإيمان، ومن هنا قدم الرسول صلى الله عليه وسلم في تعليمه لمعاذ في كيفية الدعوة أن يدعو أولا إلى الأصل الذي تتوقف عليه صحة الأشياء قبل الأشياء نفسها ، إذ لا فائدة منها إذا لم تعتمد على الأصل الذي يصححها ، وفي هذا السياق تقول عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن القرآن:"إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب"بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر"وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده"قال ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث قَوْله: ( نَزَلَ الْحَلال وَالْحَرَام ) أَشَارَتْ إِلَى الْحِكْمَة الْإِلَهِيَّة فِي تَرْتِيب التَّنْزِيل , وَأَنَّ أَوَّل مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن الدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد , وَالتَّبْشِير لِلْمُؤْمِنِ وَالْمُطِيع بِالْجَنَّةِ وَلِلْكَافِرِ وَالْعَاصِي بِالنَّارِ , فَلَمَّا اِطْمَأَنَّتْ النُّفُوس عَلَى ذَلِكَ أُنْزِلَتْ الْأَحْكَام , وَلِهَذَا قَالَتْ"وَلَوْ نَزَلَ أَوَّل شَيْء لَا تَشْرَبُوا الْخَمْر لَقَالُوا لَا نَدَعهَا"وَذَلِكَ لِمَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ النُّفُوس مِنْ النَّفْرَة عَنْ تَرْك الْمَأْلُوف"اهـ فالالتزام بما جاء في الشرع عن الحلال والحرام والواجبات وغيرها يحتاج إلى قاعدة الإيمان لذلك تأخر تشريع ذلك حتى استمكن الإيمان في القلوب، وهذه السياسة مما ينبغي علي الدعاة مراعاتها في الدعوة إلى الله فإنسان مثلا يدعو غير الله ويستغيث به وهو في الوقت نفسه واقع في بعض البدع فوجه همتك إلى نهيه عن الشرك واستغرق وقتك حتى يقلع عنه أو يتوب ولا تصرف جهدك إلى نهيه عن البدع مع إقامته على الشرك، إذ ما الفائدة من تركه للبدعة وهو مقيم على الشرك؟ وإنسان تارك لبعض الواجبات لا تشغل نفسك بالحديث معه في بعض السنن بل وجه همتك إلى الواجبات التي تركها فإنه لو أطاعك واستمع لنصحك كنت بذلك قد رحمته وسعيت في الخير له،وإذا تزاحم عليك أمران بحيث لم تتمكن من الجمع بين الأمرين فقدم الدعوة إلى ما يعد أصلا ولا تشغل نفسك بالفرع، وإذا كان الأمران مما يعدا من الأصول فقدم أعلاهما منزلة، وإذا كانا في المنزلة سواء أو قريبا من السواء فقدم ما لا يحتمل التأخير ويضيع بخروج الوقت عما لا يضيع بالوقت أو كان وقته موسعا، وإذا كانا في ضيق الوقت وسعته سواء فقدم المتفق على حكمه بين أهل العلم عما اختلفوا فيه، وهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم كان يخطب المسلمين وبينما هو على تلك الحالة إذ جاءه رجل فقال:"يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه قال فأقبل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديدا قال فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته فأتم آخرها"فلما أخبر الرجل بأنه لا يدري ما دينه كان أولى ما يشتغل به الرسول صلى الله عليه وسلم هو تعليم الرجل دينه ولذلك ترك الخطبة وأقبل عليه يعلمه ولم يؤخر ذلك حتى ينتهي من الخطبة، قال النووي في شرح الحديث:"وَفِيهِ الْمُبَادَرَة إِلَى جَوَاب الْمُسْتَفْتِي وَتَقْدِيم أَهَمّ الْأُمُور فَأَهَمّهَا , وَلَعَلَّهُ كَانَ سَأَلَ عَنْ الْإِيمَان وَقَوَاعِده الْمُهِمَّة . وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ يَسْأَل عَنْ الْإِيمَان وَكَيْفِيَّة الدُّخُول فِي الْإِسْلَام وَجَبَ إِجَابَته وَتَعْلِيمه عَلَى الْفَوْر"اهـ. وهكذا لا بد من مثل هذه الموازنات عندما لا يمكن تحقيق الجميع مرة واحدة، ولا يعني تأخير الحديث عن شيء أو السكوت عنه إباحة له، وإنما لأن هذا هو المتاح أو المقدور عليه أو الذي يقود إلى ما بعده، وقد يظن بعض الناس أن من الحكمة أو الحنكة أو السياسة وحسن التصرف واللباقة موافقة القوم على بعض ما عندهم من الباطل وعدم مواجهتهم بما يكرهون لإزالة الوحشة ولجعل الناس تقبل على الدعوة وتقبل ما فيها ثم يقولون: وبعد أن يرسخ الإيمان في قلوبهم يمكن نهيهم عما سبق موافقتهم عليه من الأخطاء، وهذا يعد من السياسة بمقتضى النظر العقلي الذي"