الصفحة 2961 من 3812

5-وأما الحريص على الدنيا فإن واجب المؤمن أن يتجنب عشرة طلاب الدنيا فإنهم يدلونه على طلبها وجمعها ومنعها عن أصحاب الحق فيها وذاك الذي يبعد العبد عن طلب نجاته ويقطعه عنها ويجتهد في صحبة أهل الخير ومن يدله على طلب الآخرة وينبغي الحذر من هذه الصفة بالذات فصاحبها قد يكون صاحب عقل راجح وخلق رفيع وليس مبتدعا ولا فاسقا ولكنه غافل عن الله - تعالى -وليس حريصا على مرضاته فتصبح مثله بعد فترة من الوقت لا يهمك في هذه الدنيا إلا ذات الدنيا العمل والدراسة والكلية والبيت وغيرها من الأمور الدنيوية ولا يصبح في عقلك ولا فكرك حيز ولا مجال لمرضاة الله - تعالى - والسعي إليها فيقسو قلبك أعاذنا الله - تعالى - وإياك من ذلك، ويختم ابن الجوزي - رحمه الله تعالى -فيقول: ' ومن اجتمعت فيه هذه الخصال كلها فإن صحبته لا ينتفع بها في الدنيا فقط بل ينتفع بها في الآخرة وعلى هذا يحمل كلام بعض الصحابة والتابعين - رحمهم الله - تعالى: استكثروا من الأخوان فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة '.

وخير ختام لهذا الكلام قول الله - تعالى: ' الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين '

أخي الحبيب: إنها دعوة لإعادة النظر في أصدقائك وتوصيفهم تبعا للقواعد التي ذكرناها سابقا فإما أن تنال بهم الشفاعة يوم القيامة وتكون معهم في تلك المكانة العظيمة وإما أن تبدأ بالأخذ بنصيحتي وتستعد بتنظيف أسنانك فستحتاج إليها في ذلك المقام.

حفظك الله - تعالى - ومن تحب من كل سوء وشر وأعانك على الخير ونيل رضاه.

23 ذو الحجة 1425هـ - 2 فبراير 2005 م

( إني حفيظ عليم )

عبد الله بن سليمان العبد الله

إن من عظيم نِعَمِ الله على العباد وَهْبَهُ إياهم أمورًا تُمَيِّزُ بعضَهم فيها عن بعض، وقُدَرًَا متفاوتة مختلفة.

فليس البشر كلهم في القُدُرَات سواءً، ولا هم أيضًا في المواهب على اتفاق، بل أوْجَدَ الله فيهم اختلاف ذلك، وتفاوته وعدم اتفاقه لِحِكَمٍ عُظمى قلَّ المُدْرِكُوْن لها.

و لذلك كانت هذه الكلمة تحمل في طيَّاتها أصلًا أصيلًا، وقاعدةً متينةً وهي: (معرفة المرء قُدَرَ نفسه) .

قال العلامة ابن عاشور - رحمه الله: (و هذه الآية أصلٌ لوجوب عرْضِ المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علِمَ أنه لا يصلح له غيره لأن ذلك من النصح للأمة) . التحرير والتنوير (7/9)

و معناها واردٌ عن السلف - رضي الله عنهم - ومن أحسن تلك الكلمات ما كتبه الإمام مالك بن أنس - رحمه الله - لأحد العباد لما كتب أحد العباد إليه ينكر عليه اشتغاله بالعلم، ويدعوه إلى التفرغ للعبادة، فكتب له مالك - رحمه الله:"إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر".

فالإمام مالكٌ - رحمه الله - أشار هنا إشارة بليغة إلى هذه القاعدة الكبيرة، فما أفقهه من إمام، وما أبعد نظره.

و هذه القاعدة الكبرى مُرْتَكِزَةٌ على ركيزَتَيْن اثنتين:

الأولى: عدم رَفْعِ النفس فوق قدْرِها.

حيث ترى وهو كثير مَنْ يُخادع نفسه ويُلْبِسُها لباس الزور فيُنزلها منازل كبيرةً عليها، ليست هي من أهلها ولا قَرُبَتْ من أحوالهم.

الثانية: عدم إهانتها وإنزالها عن قدرها.

و هذه كسابقتها في الكثرة والانتشار.

و كما أن الناس متَّعَهم الله بقُدَرٍ فإنه مما لا شك أن لتحصيلها سُبُلًا وطُرُقًَا، وجملة تلك طريقان:

الأولى: إدراك المرء ذلك من نفسه.

و ذلك من خلال تجارُب وأحوال مرَّت به علَّمته أنه يملك قُدْرَةً على أمرْ دون غيره، وقليل من يُدْرِكُ ذلك من تلقاء ذاته.

و لقد حَفَلت السيرة بشيء من ذلك ما يُذْكِرُ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: أنا من الراسخين في العلم.

فابن عباس هنا أدرك من نفسه هذه القُدْرَة فنبَّه عليها، وأفصح عن حقيقتها.

و مثله: ما يُذكرُ عن كثير من السلف صحابةً وتابعين وتابعيهم من إخبارهم غيرَهم عما يعلمونه دون غيرهم.

الثانية: إدراك غيره منه.

الإنسان مَدَنِيٌ بطبعه، مُنْجَذِبٌ إلى بني جنسه، كثير المعاشرة لهم؛ لذا فقد يطلع بعضٌ على أن فلانًا موهوب بموهبة كذا؛ وهو جاهل بقُدْرَته هذه، غافلًا عن تلك الموهبة.

و من هذه ما حفَلَت به السيَر فمنها:

شأن أبي ذر - رضي الله عنه - فقد طلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يوليَه إمرةً فقال له - صلى الله عليه وسلم:"إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين على مال يتيم"

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أدرك من حال أبي ذر - رضي الله عنه - عدم أهليته للإمارة فنهاه، وقد غابت هذه عنه وأدركها غيره.

و مِنْ ذلك ما يُذكر عن الخليل بن أحمد الفراهيدي - رحمه الله - لما جاءه الأصمعي عبد الملك بن قريب - رحمه الله - طالبًا علم العَرُوْض فلم يستطع فهمه، فأنشد الخليل:

إذا لم تستطع شيئا فدعه *** وجاوزه إلى ما تستطيع.

و حيث عُرِفَ هذا فإن على الإنسان أن يعلم أن لهذه المعرفة لقُدُرَات النفس مجالان هما أهم ما يظهر في الساحة:

الأول: العلم.

مُفْرِحٌ أن نرى كثيرًا من رجال الصحوة يعملون ويشتغلون في طلب العلم، ولكن يُؤْسِفُ جدًا أن ترى عددًا ليس بالقليل منهم ينفضُّ عن مجالس العلم تلك في فترة قصيرة وجيزة.

و حين بَحْثِ السبب في ذلك تلمح أنه الجهل بقُدْرَةِ الرجل وميوله واهتمامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت