فإن طلب العلم شأنُ مَنْ ليس له أي شأن إلا طلب العلم؛ فهو يحتاج إلى تفرُّغٍ، وسهر، وبحث، وتحرير، وحفظٍ، ….
فكثير ممن سلك ذلك لم يَدُرْ في خاطره ولو لمرَّةٍ تساؤلٌ:
هل هو ممن يستطيع طلب العلم والتفرُّغ له، وإعطاءه حقه؟
الثاني: الدعوة.
إن الاهتمام بالدعوة شأن كثيرين من رجال الصحوة وشبابها، وهذا مما يُبَشِّرُ بخير.
لكن يَرِدُ عليه ما وَرَدَ على المجال السابق؛ وهو: أن بعض المشتغلين بالدعوة ممن دفعتهم عاطفتهم إلى العمل بها، وهذا أمر لا يُراد؛ إذ أمور الدعوة لابد لها من سلوك مسارات منضبطة، ونظام مدروس.
أما أن تُسْلَك سُبُل الدعوة هكذا بلا قواعد تُدْرَسُ من خلالها، فلا.
و أما أن يسلك الدعوة من له قُدرة على تحمل أعبائها ومن ليس له قدرة، فلا، وليس من شأن الجادين.
هذان مجالان مهمان جاء الحديث عنهما لكونهما هما الظاهران في الساحة، وفي صفِّ رجال الصحوة، وفي سلك العمل الدعوي.
و إلا فهناك مجالات كثيرة تحتاج إلى أن نتحدَّث عنها في مثل هذا.
و أخيرًا: فإن لمعرفة المرء قُدَرَ نَفْسِه، واكتشاف مواهبه، فوائد نفيسة؛ منها:
الأولى: تنظيم العمل الإسلامي.
فإذا عرف كلٌّ منَّا ما يحسنه ويتقنه من أعمال، ومجالات، انتظم العمل الإسلامي بعمومه؛ العلمي، والدعوي.
فمن عرف أهليته للعمل الدعوي، وتوافرت لديه إمكانات وقُدَرُ الإبداع في المجال الدعوي سلكه وسار فيه.
و من عرف من نفسه الإتقان في المجال العلمي انتهجه ولَزِمَه.
و بذلك ينتظم العمل الإسلامي في أحسن مساراته.
الثانية: حفظ الوقت.
و سرُّه أن كلًا سيعمل في حقله الذي مالت إليه نفسه، ووثق في الإتقان فيه، والإبداع في مجالاته.
و حفظ الوقت هنا نوعان:
الأول: حفظ وقت العمل الإسلامي.
فلا يضيع أكثر زمانه في أمور ليس منها نفع له.
و ذلك: أنه لو أخذ كلٌّ منَّا مجاله الذي يتقنه لكان في ذلك إنجاز أهدافٍ كِثار كبارٍ في مشروع العمل الإسلامي.
لكن حين تقلب كثيرٍ من رجال الصحوة في مجالات عِدَّةٍ، وتنقلاتهم فيما بين مجالات العمل الإسلامي تتأخر أهداف كان تحققها في وقت سبق، أو ربما تتحق في وقتها لكن ليست بإتقان وإحكام، وهذا مما لا يتمشى مع أهدافنا في العمل للإسلام والسعي نحو نشره.
الثاني: حفظ وقت الشخص.
ففي سلوكه مجالًا ليس له أهلية السلوك فيه يُوْرِثُه الملل والسآمة، ومن ثَمَّ الانقطاع عنه والبحث عن غيره.
فهذه الحالة أنتجت ضياع وقت كان من الممكن أن يُسْتَغلَّ لو عُرِفَت قُدْرَةُ النفس في غيره من الأعمال الأخرى.
و أعني بالأعمال: ما يحسنه الشخص ويرى أهليته له.
الثالثة: تقدير الجهود.
حيث كلٌّ على ثَغْرَةٍ من ثغور العمل الإسلامي، وكله عمل خير.
فذو العمل الدعوي يُقَدِّرُ جُهْدَ العامل في العمل العلمي، وكذلك العكس.
و حين تتخلَّف المعرفة لِقُدَرِ النفس ومواهبها يكون النقد الهادم للجهود، ويكون الانتصار للزيف الإنتاجي؛ إذ يظن كل عامل أنه خير من صاحبه شأنًا، وأجل منه عملًا.
و هذا ما جلب لنا الخرقَ الكبير في صرح العمل الإسلامي.
الرابعة: تغطية جوانب العمل الإسلامي.
و لعل هذه من أجلِّ فوائدها، وأعظم ثمارها؛ فهو ما نطمح إليه في العمل للإسلام والسعي لنشره وتبليغه للناس في أقاصي الأرض.
فقد عَلِمَ كلٌ مشربه، ولَزِمَ دَرْبَه.
فَيَجِدُّ العامل بإتقان عمله وتوسيع نطاقه، وتكثير مَنْ يُعينه ممن ينهج نهجه في القُدَر والمواهب.
هذه خاطرة سنحت فكُتِبَتْ، آملُ أن أكون قد وُفِّقْتُ في وضع نقاط على أحرفها.
و الله الموفق والهادي لا إله إلا هو، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
أجمل الحياة أن تصنع بأيدي المتعبين
دعاء عمار
عندما يخرج الإنسان من واقعه الصعب، ويحوّل طاقة الحزن بداخله إلى إنتاج وإبداع بدلًا من إبقائها لتكون معول هدم لنفسه ومَن حوله، وبدلًا من الاستسلام للأمر الواقع بمجتمعه إضافة إلى ما يجده الشخص في حياته من مشاكل، يسعى إلى إيجاد عوامل النهوض وصناعة حياة أفضل، ويجد المتعة في مساعدة الآخرين وترك أثر في محيطه بدلًا من العيش كمًا زائدًا لا فرق بين وجوده و غيابه، عندها فقط يحق للإنسان أن يكون إنسانًا، وأن يشعر بالسعادة والمتعة الحقيقية خاصة مع إخلاص النية لله في كل خطوة من خطوات الحياة، واحتساب الأجر في الصبر على المصاعب والمعاناة.
هؤلاء هنّ مجموعة من صانعات الحياة رفضن السلبية وتحدين من حولهن من مثبطي الهمم، وجدن في أنفسهن الطاقة والقوة على تجميع أنفسهن واكتساب الخبرة من بعضهن ليبدأن خطوات فعالة في طريق الألف ميل.
سهى تخصص إدارة أعمال، هبة تخصص محاسبة وهنادي تخصص هندسة صناعية عرفن بعضهن بعضًا من خلال مراحل الدراسة المختلفة فارتبطت أفكارهن ومشاعرهن ليكوّنّ بذلك فريقًا متميزًا من الفتيات بعدما حركت الإيجابية فيهن تلك الحلقة بنفس العنوان في صُنّاع الحياة.
بدأت أولى أفكار الإيجابية لديهن بتصميم أسطوانة كمبيوتر تحوي عددًا من المواضيع المفيدة والمعلومات البسيطة ونسخها فيما بينهن ثم توزيعها، وتقول عن ذلك هنادي:"في البداية كان عملنا عشوائيًا ودون خبرة، فخرجت الاسطوانة بسيطة جدًا، وكنّا نوزعها حتى اقترح علينا بعض الأقارب بيعها والاستفادة من ثمنها في مساعدة بعض المحتاجين، وبالفعل بدأنا في بيعها بثمن بسيط، ومن أراد زيادته كنوع من الدعم لنا زاده، وقد تأثّر عدد من الناس بنا، واشتروها بمبلغ وصل إلى مائة دولار أو دينار في بعض الأحيان، حتى تمكّنا في البداية من شراء عدد من الكراسي المتحركة، ووضعناها في خدمة الجرحى والمعاقين في المستشفى".