الصفحة 2976 من 3812

فمن ذلك ما جاء في إسلام خالد بن الوليد - رضي الله عنه -، فحين قدم هو وعمرو بن العاص وعثمان بن أبي طلحة - رضي الله عنهم - قال خالد - رضي الله عنه: وأُخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر بنا، فلبست من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقيني أخي فقال: أسرع، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر بك فسر بقدومك، وهو ينتظركم، فأسرعت المشي فطلعت فمازال يتبسم إلي حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة، فرد علي السلام بوجه طلق فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلًا، ورجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير» .

ومن ذلك ما جاء في قصة وفد ثقيف، فقد أنزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفد ثقيف في المسجد وبنى لهم خيامًا لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا، ولما أسلموا كان الصحابة - رضي الله عنهم - يقومون على خدمتهم وهم يأخذون حظهم من التفقه والتعلم لدين الله، قال ابن إسحاق عن بعض وفد ثقيف قال: كان بلال - رضي الله عنه - يأتينا، حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بقي من رمضان، بفطرنا وسحورنا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأخذ منه العلماء جواز إنزال المشرك في المسجد ولاسيما إذا كان يرجى إسلامه وتمكينه من سماع القرآن ومشاهدة أهل الإسلام وعبادتهم.

وأجاز العلماء إظهار الفرح والسرور للمسلم الجديد عند إسلامه وكذلك صنع الطعام له احتفاء به وتأليفًا له على الإسلام.

ومن حسن الاستقبال للمسلم الجديد: فتح باب الأمل والرجاء له عند إسلامه، ويشهد لذلك ما جاء في حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أنه قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: «ما لك يا عمرو؟ » ، قال: قلت: أردت أن أشترط، قال «تشترط بماذا؟ » ، قلت: أن يغفر لي، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله» . إن هاجس المسلم الجديد عند إسلامه ذنوبُه التي اقترفها قبل إسلامه، وهو لا يعلم شيئًا عن عظيم عفو الله - تعالى - وسعة فضله، والداعية جدير بأن يحرص على أن يبين للمسلم الجديد أن الإسلام يجبّ ما قبله.

واقتفى المسلمون أثر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفرح والسرور بالمسلم الجديد، فقد شهد التاريخ أن المسلمين إبان الفتوحات الإسلامية كانوا يخيرون الناس بين الإسلام وبين الجزية، فمن قبل الإسلام صار من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن اختار دين قومه أخذت منه الجزية، فكان من يختار الإسلام يكبر له المسلمون تكبيرة أشد من تكبيرة الفتح فرحًا بإسلامه وهدايته.

ومن هنا فإن متطلبات الدعوة بين المسلمين الجدد كثيرة، وأساس ذلك توعية العامة من المسلمين بدورهم في دعوتهم وحسن استقبالهم، فحسن الاستقبال هو أول رسالة إلى المسلم الجديد، وهو يجعله يقبل على الإسلام، كما أن سوء الاستقبال ينفره عنه، وويل للمنفرين، إذ إن التبشير بالإسلام له صور متعددة فقد يكون بالقول أو الفعل أو الهيئة أو المعاملة، وكذلك التنفير من الإسلام قد يكون بالقول أو الفعل أو الهيئة أو المعاملة، وهي مما يشترك فيه عموم المسلمين. إن بعض المسلمين قد يبخل على المسلم الجديد بابتسامة لطيفة أو بنظرة حانية أو بكلمة رقيقة، فيلقاه بوجه عبوس، وقد يحقر هذه النظرة، ولا يظن أنها قد تكون سببًا في تفكير المسلم الجديد في الرجوع إلى دينه!!

فقر المشاعر

محمد بن إبراهيم الحمد

الإنسان مركب من جسد وروح ومشاعر، فليس جمادًا أصمّ، وليست حاجته قاصرة على الطعام والشراب فحسب، بل هو محتاج - مع ذلك - إلى غذاء عقله، وروحه، ومشاعره وتفصيل ذلك يطول، وليس هذا مجال بسطه.

وحسب الحديث ههنا أن يدور حول المشاعر، وحاجة الإنسان إليها؛ فالذي يُلاحظ في حياتنا اليومية أننا نعاني من فقر المشاعر الإنسانية الصادقة المعتدلة؛ فتجد من الناس من هو جافٍ لا تكاد تحظى منه بكلمة شكر، أو ابتسامة محبّ، أو دعوة مخلص.

ومنهم من هو متملّق محتال يزجي المديح بلا كيل لمن يستحقّ ولمن لا يستحقّ؛ إما رغبة أو رهبة أو لأجلهما معًا؛ فإذا انقضت مصلحته قَلَبَ ظهَر المِجَنِّ، وعرَّى أفراس الصّبا ورواحله.

أما من يقابل الناس بالبشر، ويصافحهم براحة كريمة، ويثني عليهم إذا هم أجادوا، ويردّهم إلى الصواب برفق إذا هم أخطؤوا، ويُسدي إليهم المعروف إذا هم احتاجوا دون أن يكون خائفًا منهم أو راجيًا لهم ـ فذلك قليل في الناس، غريب بينهم.

ومن كان كذلك أحدقت إليه الضمائر الحرة، وأولته ودًا وانعطافًا؛ وأساغت عشرتَه، وأصاخت السمعَ لما يقوله.

ولكن هذا الصنف ـ مع الأسف ـ قليل؛ لأن المصالح الخاصة قد طغت، فصارت المعاملة إلى النفعية أقرب منها إلى المروءة والإنسانية.

ولا ريب أننا بحاجة ماسة إلى كمية كبيرة من المشاعر الصادقة؛ حتى نحفظ الودّ فيما بيننا، ونبعد عن شبح الأوهام التي تعترينا، ولأجل أن تكون حياتنا مليئة بالمسرّات، بعيدة عن المكدّرات والمنغّصات.

وإن المتأمل في حياتنا ليرى عجبًا؛ فلغة المشاعر التي تضفي علينا الدفء في قَرِّ الشتاء، وتهبّ علينا بالنسيم العليل في حرّ الهجير ـ تكاد تنقرض عند فِئام من الناس في هذه الأزمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت