الصفحة 2977 من 3812

كيف يكون ذلك؛ ونحن نتفيّأ ظلال دين عظيم يرعى هذا الجانب حقّ رعايته، ويحذِّر من أن تتضاءل تلك العواطف النبيلة، فيضيع بسبب ذلك من حقائق الشريعة، وعزة أهلها ما يضيع؟!

ومن هنا جاء الإسلام بما يربي تلك المعاني، ويحييها في النفوس؛ فنصوص الوحيَين - التي لم تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وأحاطت بها إجمالًا أو تفصيلًا ـ مليئة بتقرير تلك المعاني السامية التي تنهض بالمشاعر، وتقضي على روح الأثرة والقسوة، والغِلظة والكزازة.

فلو أجَلْت فكرك في حِكَم الصلاة، والزكاة، والصيام والحج ـ وهي أعظم دعائم الإسلام بعد الشهادتين ـ لوجدت أن من أعظم حكم تشريعها مراعاة المشاعر، وقيام روح الألفة والمودّة بين المسلمين.

ولو ألقيت نظرة فيما يقرره الشارع من أوامرَ ونواهٍ وما جرى مجرى ذلك لرأيت ذلك رأْي العين.

ألا ترى أن الشارع يقرر ألا ننسى الفضل بيننا، وأن أحدنا لا يؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه، ولا يحقره؟

أليس الشارع يأمرنا بستر عورات المسلمين، والسعي في قضاء الحوائج، وتنفيس الكُرُبات، وعيادة المرضى، وتشييع الجنائز؟

أليس يأمر بإفشاء السلام، والرحمة بالخلق، والعطف عليهم، وحسن رعايتهم، ومداراتهم، والصبر على أذاهم.

أليس يأمر ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وإكرام الجار، والوفاء للأصحاب، وحسن المعاملة للزوج والأولاد.

أليس يأمر بالأمانة وإنجاز الوعد، وحسن الظن، إلى غير ذلك من الأوامر التي ليس بعدها أمل لآمل، ولا زيادة لمستزيد.

وفي مقابل ذلك، فهو ينهى عن أمور كثيرة من شأنها أن توهي حبال المودة بين المسلمين، أو تنقض عُراها؛ فتراه ينهى عن العقوق، والقطيعة، وأذيّة الجار، والكبر، والحسد، والغل، والحقد، والبخل، والفظاظة، والوقاحة، والعِناد، والغيبة، والنميمة، والسب، واللعن، وإفشاء السر، والسخرية بالناس، والتعبير بالعبارات المستقبحة، والتخاطب بالألقاب السيئة.

وينهى - كذلك - عن كثرة الجدال والخصومة، وعن المزاح البذيء، وعن الكلام فيما لا يعني، وعن الخيانة، والمكر، وإخلاف الوعد، والتحسس والتجسس، وتتبع العورات، والتهاجر، والتشاحن، والتدابر وما إلى ذلك.

وتفصيلُ ما مضى، وذكرُ أدلته يحتاج إلى مجلّدات ضِخام، والمقام لا يسمح بذلك.

ومع ذلك كله فإن الناظر في أحوال إخوانه المسلمين يعتريه الأسى واللوعة؛ لما حلّ بهم من الشنآن، والقطيعة، والتهاجر، وجفاف المشاعر، وجفاء الطباع.

فمن ذلك ضعف وبرود المشاعر بين الوالدين والأولاد، وبين الأرحام، والجيران، والأزواج، وبين المعلمين والطلاب.

ومن ذلك قلة المراعاة للمشاعر حال تقديم النصيحة، وقلة ذلك من قبل المنصوح الذي يردّ النصيحة، ويزري بالناصح أو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر.

ومن ذلك قلة المراعاة لمشاعر العمال، والغرباء، والصغار، والمرؤوسين؛ وذلك باحتقارهم، أو هضم حقوقهم أو ما شاكل ذلك.

ومن هذا القبيل قلة المراعاة للمخالفين والخصوم حال الردّ والمناقشة أو المجادلة، ولا يعني ذلك ترك الردّ أو قوّة الحجّة فيه، وإنما المقصود من ذلك ما يكون من الظلم، والزيادة، والبغي، والاستطالة.

ومن ذلك قلة المراعاة لمشاعر المراجعين من قبل بعض الموظفين؛ حيث يستقبلونهم بتثاقل، وبرود، ويقدمون لهم الخدمة بمِنّة وتباطؤ.

ومن ذلك قلة المراعاة لحقوق الأخوّة والصداقة، كقلّة التعاهد، والتزاور، وكالجفاء، وكثرة التجني، وما جرى مجرى ذلك.

ومن ذلك قلة المراعاة لمشاعر المريض أثناء زيارته، كحال من يذم الطبيب الذي يعالج المريض، أو الذي أجرى له العملية الجراحية، أو كحال من إذا زار المرضى أن يذكر لهم أقوامًا أصيبوا بمثل ما أُصيبوا به فماتوا.

ومن مظاهر فقر المشاعر ما يقع بين جماعة المسجد الواحد؛ فهم يجتمعون لأشرف الغايات ألا وهي عبادة الله - عز وجل - بأداء الصلاة، وليحققوا مقصدًا من أعظم مقاصد الدين ألا وهو الاجتماع، والألفة، والمحبة.

ومع ذلك تجد جماعة بعض المساجد لا يراعون هذا الجانب؛ فتجد أن العلاقة بين الإمام والمؤذّن وجماعة المسجد ضعيفة أو معدومة، بل ربما شاع بينهم كثرة الانتقاد، وكثرة اللوم والعتاب، وربما شاع بينهم القطيعة والبيْن.

وهذا مصداق قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" (1) .

فالذي ينبغي لهؤلاء أن يقطعوا على الشيطان طريقه، وألا يسترسلوا مع الظنون السيئة؛ فينبغي للإمام أن يراعي مأموميه، وأن يرفق بهم، وأن يتحمل بعض ما يصدر منهم من جفاء أو كثرة اقتراحات، أو انتقاد.

كما ينبغي أن ينزلهم منازلهم، وأن يبادرهم بالسلام والتحية، خصوصًا كبار السن، ومن لهم قدر وجاه.

كما عليه أن يراعي مشاعر الصغار، والمقصرين، وأن يأخذ بأيديهم إلى الصلاح.

كما عليه أن يحفظ عرضه وذلك بالانضباط، والاعتذار حال المغيب، وأن يوكل الكفؤ إذا كان لديه عذر.

كما على المؤذن مثل ما على الإمام، وعليه أن يحسن علاقته بالإمام والمأمومين، وعليهما أن يهيّئا جو الخشوع والراحة للمصلين.

وبالمقابل فعلى جماعة المسجد أن يلتمسوا العذر للإمام والمؤذن في بعض الأمور، وعليهم المناصحة بالتي هي أحسن.

وإذا وفّقوا بإمام عاقل فليعَضّوا عليه بالنواجذ، وإذا رأوا من بعضهم إساءة في حقه فليوقفوا ذلك المسيء عند حدّه.

وعلى كل حال فالمسألة تحتاج إلى بسط؛ فإن مظاهر فقر المشاعر كثيرة وكل واحد مما مضى يحتاج إلى وتفصيل وعلاج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت