فهرس الكتاب
إفشاء السلام، وإظهار البشر والتبسم: عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض، فأفشوه بينكم، فإن الرجل المسلم إذا مر بقوم فسلم عليهم فردوا عليه، كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إياهم السلام، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم و أطيب] رواه البزار والطبراني والبيهقي، وقال المنذري في الترغيب 3/428: وأحد إسنادي البزار جيد قوي. قال أبو حاتم - رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يلزم إفشاء السلام على العام؛ لأن من سلَّم على عشرة كان له عتق رقبة، والسلام مما يذهبُ إفشاؤه بالمكتن من الشحناء، وما في الخَلَد من البغضاء، ويقطع الهجران، ويصافي الإخوان. والبادئ بالسلام بين حسنتين، تفضيل الله - عز وجل - إياه على المسلّم عليه بفضل درجة، لتذكيره إياهم بالسلام، وبين ردّ الملائكة عليه عند غفلتهم عن الرد... قال زبيد اليامي: (إن أجود الناس من أعطى مالًا لا يريد جزاءه، وإن أحسن الناس عفوًا من عفا بعد قدرة، وإن أفضل الناس من وصل من قطعه، وإن أبخل الناس من بخل بالسلام) ... وَعَنْ عَمَّار بْن يَاسِر - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: (ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ) رواه البخاري- تعليقا-.
قال أبو حاتم - رضي الله عنه: الواجب على المسلم إذا لقي أخاه المسلم أن يسلم عليه مبتسمًا إليه، فإن من فعل ذلك تحات عنهما خطاياهما كما تحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس، وقد استحق المحبة من أعطاهم بشر وجهه.
وعن سعيد بن الخمس أنه قيل له: ما أبشّك؟ قال:"إنه يقوم عليّ برخيص".
قال أبو حاتم: البشاشة إدام العلماء، وسجية الحكماء، لأن البشر يطفئ نار المعاندة، ويحرق هيجان المبغضة، وفيه تحصينٌ من الباغي، ومنجاة من الساعي، ومن بشَّ للناس وجهًا لم يكن عندهم بدون الباذل لهم ما يملك... ولسعيد بن عبيد الطائي:
الق بالبشر من لقيت من الناس جميعًا ولاقِهم بالطلاقه
تجن منهم أجنى ثمار، فخذها طيبًا طعمهُ لذيد المذاقه
... وعن حبيب بن أبي ثابت قال: (من حسن خلق الرجل أن يحدث صاحبه وهو يتبسم) .
الإقلال من المزاح: عَنْ أَنَس بْن مَالِكٍ قَال: كَانَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَادٍ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: [رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ لَا تَكْسِرْ الْقَوَارِيرَ] قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ. رواه البخاري ومسلم والدارمي وأحمد.
قال أبو حاتم - رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يستميل قلوب الناس إليه بالمزاح، وترك التعبُّس.
والمزاح على ضربين: فمزاح محمود، ومزاح مذموم.
فأما المزاح المحمود: فهو الذي لا يشوبه ما كره الله - عز وجل -، ولا يكون بإثم ولا قطيعة رحم.
وأما المزاح المذموم: فالذي يثير العداوة، ويُذهب البهاء، ويقطع الصداقة ويُجرِّئ الدنيء عليه، ويحقد الشريف به... قال ربيعة:"إياكم والمزاح، فإنه يُفسد المودة، ويُغِلُّ الصدر". وعن عبد الله بن حُبيق قال:"لا تمازح الشريف، فيحقد عليك، ولا تمازح الوضيع، فيجترئ عليك".
قال أبو حاتم - رضي الله عنه: المزاح في غير طاعة الله مسلبة للبهاء، مقطعة للصداقة، يورث الضغن، وينبت الغِلَّ. وإنما سمي المزاح مزاحًا لأنه زاح عن الحق، وكم من افتراق بين أخوين، وهجران بين متآلفين، كان أول ذلك المزاح، عن الحكم قال: كان يقال:"لا تمار صديقك ولا تمازحه، فإن مجاهدًا كان له صديق، فمازحه، فأعرض كل واحدٍ منهما عن صاحبه، فما زاده عن السلام حتى مات".
قال أبو حاتم - رضي الله عنه: وإن من المزاح ما يكون سببًا لتهييج المراء، والواجب على العاقل اجتنابه؛ لأن المراء مذموم في الأحوال كلها، ولا يخلو المماري من أن يفوته أحد رجلين في المراء: إما رجلٌ هو أعلم منه، فكيف يجادل من هو دونه في العلم؟! أو يكون ذلك أعلم منه، فكيف يماري من هو أعلم منه؟!... وعن الأوزاعي قال: قال بلال بن سعد:"إذا رأيت الرجل لجوجًا مماريًا معجبًا برأيه؛ فقد تمت خسارته"... عن محمد بن المنكدر قال: قالت لي أمي وأنا غلام:"لا تمازح الغلمان، فتهون عليهم، أو يجترئوا عليك". وقال عمر بن الخطاب:"من كثر ضحكه؛ قلت هيبته، ومن مزح؛ استخف به، ومن أكثر من شيء؛ عُرف به)."
وصايا ونصائح للداعية في هذا الباب:
1 -يجب على الأخ اللبق أن يُحسن الإنصات إلى محدثه مع حسن الاستماع: وهناك قول لطيف، وهو:"إذا أردت أن يحبك الناس، فكن مستمعًا طيبًا وشجع محدثك على الكلام عن نفسه".
2 -إكرام الضيف يكون بطلاقة الوجه وحسن اللقاء وطيب الكلام والطعام: قال - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: [مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ] رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه والدارمي وأحمد.