فهرس الكتاب
1-لن يكون في المستقبل ما يسمى"بالأمم العظيمة والدول العملاقة"ولكن سيكون هناك دوائر تضم أعدادًا من الأبطال الصغار الذين يهتمون بإتقان الأشياء الصغيرة التي بين أيديهم وهم يشكلون - حيثما وجدوا بكثافة - بؤرًا متفوقة ونافذة ومؤثرة، إنهم يعملون بصمت ومن غير عناوين كبيرة إنهم أشبه بقطرات الماء التي يتشكل منها النهر العظيم، وأشبه بحبات الرمل التي يتكون منها الجبل العظيم، حبة الرمل ليست بشيء، لكن لولا حبات الرمل لم يكن هناك الجبل العملاق!
من المهم أن ندرك أن كل موقع يحتله واحد منا هو ثغرة من ثغور الإسلام، ومن خلال نوعية تصرفنا وأدائنا في ذلك الموقع، نسهم في رفع راية الإسلام وحماية حرماته، أو نسهم في ذهاب ريح الأمة وجعلها عالة على غيرها من الأمم. إن أمهر البنائين لا يستطيع أن يشيد صرحًا متينًا من لبنات هشة. وإن أعظم الحكام لا يستطيع أن يبني مجتمعًا أقوى من مجموع أفراده.
كان (بنجوربون) يقول: إن إسرائيل لن تقوم بناء على قرار تصدره المنظمة الصهيونية العالمية، ولكننا سنبنيها لبنة لبنة، سنضم البقرة إلى البقرة والمزرعة إلى المزرعة والمصنع إلى المصنع والجامعة إلى الجامعة، وبذلك وحده يصبح لنا دولة بما تعنيه الكلمة.
هذا المنطق هو المنطق القابل للتطبيق، وأعتقد أن مساعينا في دفع الأمة في دروب النهضة ينبغي أن تتركز في شيئين أساسيين: تقديم النماذج وبناء الأطر.
إن عقولنا تنطوي في أعماقها على ميول نحو الاستحالة، واستصعاب الأمور والنماذج العملية هي التي تزرع في تصوراتنا ومشاعرنا الميول نحو الممكن إن كل مثقف مسلم بقليل من الوعي وقليل من الجهد يستطيع أن يقدم في جانب من جوانب حياته نموذجًا صغيرًا يجذب إليه بعض الناس، فيقلدونه ويترسمون خطاه، وبذلك يكثر الخير، وتترسخ تقاليد ثقافية مثمرة.
وهناك في الأمة رجالات فيهم سمات قيادية، ولهم همم عالية وهؤلاء لا يكتفون بتقديم النماذج، لكنهم يبنون الأطر التي تجمع الجهود المتفرقة، وتوجه الأنشطة وتحرر الطاقات الكامنة. ومن النماذج والأطر تتشكل فيزياء التقدم.
2-الأمم الفقيرة ليست هي الأمم التي لا تملك المال، لكنها الأمم التي يتلفت أطفالها يمنة ويسرة، فلا يجدون حولهم سوى رجال من الدرجة الثالثة أو الرابعة، فتتجه أبصارهم نحو رجالات الأمم الأخرى باحثة عن القدوة والمثل وعن حقل جديد للممارسة. وبذلك تنشأ الفتنة الثقافية!
3-هناك علاقة عكسية بين الكيف والكم. وبما أن جهودنا وطاقاتنا مهما بلغت هي في النهاية محدودة فإن ما ننجزه يخضع لتلك العلاقة: الكم دائمًا على حساب الكيف. والمتأمل في (حديث القصعة) وفي واقعنا اليوم يجد أن الأمة تعاني من مشكلة (كيف) لا مشكلة (كم) ولو اتجهنا إلى جعل الإحسان والإتقان السمة التي لا نتنازل عنها في جميع أعمالنا لتحسنت النوعية وارتقت الأمة.
أملي أن نكف عن الهروب إلى الأمام والذي طالما مارسناه من خلال الحديث عن الأشياء الكبيرة كيلا نتحمل مسؤولية الأشياء الصغيرة ومن الله - تعالى -الحول والطول.
أحمد ديدات ... يسلم عليكم
عبد الله آل سليمان
حطت بي رحلة إلى جنوب أفريقيا في مدينة (ديربن) تلك المدينة الساحلية التي يكتنفها شاطئ جميل يزيدها بهاء وجمالًا، وتردد على مسامعي اسم الشيخ أحمد ديدات من الأخوة الذين لقينهم هناك وكنت أترحم عليه كلما سمعت ذكره حتى انتبه لي بعض الإخوة وشعر عندها أني أنما أفعل ذلك ظنا مني أنه قد توفي فقال لي: الشيخ لا يزال على قيد الحياة فقلت: سبحان الله قد وصلنا خبر وفاته وأغلب الناس عندنا يظنون ذلك فقال: هو حيَّ يرزق وهذه مدينته وأن أردت ذهبت بك إليه لزيارته فهو يستقبل الزوار على شدة العلة التي يُعاني منها فتواعدنا على ذلك. وحددنا يومًا لزيارته فجاءني الأخ وأخذني بسيارته وسرنا ما يقارب 40 كم لنصل إلى بيت الشيخ فأدخلونا عليه فإذا بذلك القوام المعافى قد هده المرض فاسكن منه كل متحرك من رأسه إلى رجليه وألزمه السرير فهو مشلول شللًا كاملًا أثر ذلك حتى على كلامه وحركة فمه فلا يستطيع حتى تحريك فكيه ليمضغ الطعام وإنما يُطعم ويسقى عن طريق الأنابيب وآلمني حاله وإنما يقلب عينيه فيما حوله وكم تحمل تلك النظرات من كلام ومعانٍ قلت في نفسي ماذا سيقول لو أسعفه الكلام؟! تلوتُ عليه شيئًا من القرآن وطبقت ما وجه به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الدعاء للمريض كما في حديث عبد الله بن عباس (من عاد مريضًا لم يحضره أجله فقال: عنده سبع مرات اسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض) .
استأنس واستبشر وبدت علامات الارتياح على وجهه ثم زاد بشره عندما علم من أين قدمت وأني من المدينة النبوية من المملكة العربية السعودية.
وكم كنت أتمنى أن أسمع منه شيئًا أطلع به على مشاعره
كم كنت أتمنى في تلك اللحظة أن يفتح لي باب الحوار معه.
فقال له: ولده يوسف رسالة للشيخ؟ فأشار نعم وهذه الإشارة تتم بهز حواجب الشيخ يرفعها إلى أعلى علامة الإيجاب فإذا لم يحركها دل ذلك على عدم موافقته. وهي الوحيدة التي تتحرك في جسد كامل. فقلت في نفسي أي رسالة وظننت أن هناك رسائل جاهزة تقدم للضيوف كتعبير عن امتنانه للزيارة فإذا بالأخ يوسف يشير إلى لوحة وضعت على الجدار عند رأسْ الشيخ ويخبرني أنها وسيلة الشيخ للتفاهم مع من حوله وسترى الآن...
هذا شكل اللوحة تقريبًا