الصفحة 3008 من 3812

لا شك أن المواعظ سياط ا لقلوب تحرك الكسلان وتوقظ الغافل وتنبه المهمل، ولذا نجد الشيخ - رحمه الله - لا يكتفي بذكر الأدلة والبراهين على صحة الدعوة، بل إذا وجد من يعرف الحكم ولم ينقد له ذكره بالجنة والنار والقبر وعذابه، ورهبة الوقوف بين يدي الله - جل وعلا - يقول لأحد المدعوين:"فتضرع إلى الله بقلب حاضر خصوصًا في الأسحار أن يهديك للحق ويريك الباطل باطلًا، وفر بدينك فإن الجنة والنار قدام، والله المستعان" (مجموع المؤلفات 5/305) ، ويحذر أحدهم من معاونة المشركين لأجل تنمية المال قائلًا له في رسالته إليه:"فإن الخلود في النار جزاء الردة الصريحة ما يُسوى (أي: يساوي) بُضَيعة (تصغير بضاعة) " (المرجع السابق 5/224) .

13 الإغلاظ بالقول:

عندما لا تنفع الملاينة ولا تجدي البراهين فإنه قد تنفع الغلظة بالقول مع مراعاة حدود الشرع وإدراك العواقب، ولذا قال موسى لفرعون:"قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا" (الإسراء: 102) ، وقد أغلظ الشيخ بالقول لأقوام بعد أن استنفذ كافة الأساليب اللينة معهم، فقال:"وأنت لا تلمني على هذا الكلام، تراني استدعيته أولًا بالملاطفة، وصبرت منه على أشياء عظيمة، والآن أشرفت منه على أمور ما ظننتها" (مؤلفات الشيخ 5/141) .

14-التهديد والتخويف:

وهو آخر دواء يستنفذه الداعية عندما لا تجدي كافة الوسائل مع المدعو، ولا شك أن بعض النفوس قد لا ينفع معها إلا هذا الأسلوب من الإنكار، وقد خاطب الإمام مرة أحد خصومه، الذي ظهر له أنهم يعادونه عنادًا بعد قيام الحجة عليهم، فيقول الشيخ مهددًا متوعدًا إن لم يتوبا إلى الله ويكفا عن محاربة دينه فإنه يفتي الناس بعدم الصلاة خلفهما، وعدم قبول شهادتهما، ووجوب عداوتهما (مجموع المؤلفات 5/226) ، بل إنه دعا إلى المباهلة بعض مخالفيه تهديدًا لهم وبيانًا بأنهم مبطلون وإعلامًا باستيقان الشيخ بما يدعو إليه، فقال:"وأنا أدعو من خالفني إلى أحد أربع: إما إلى كتاب الله، وإما إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإما إلى إجماع أهل العلم، فإن عاند دَعَوْته إلى المباهلة، كما دعا إليها ابن عباس في بعض مسائل الفرائض" (مؤلفات الشيخ 5/226) .

15-الحوار والمناظرة:

قال تعالى:"وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (النحل: من الآية125) ، وقد حير الشيخ خصومه عندما استخدم هذه الوسيلة لما أوتيه من قوة حجة وسعة علم ودعوة حق وحدة ذكاء، وكان يناظر الإنسان بمذهبه إن كان شافعيًا فبكلام الشافعية، أو مالكيًا فبكلامهم، وهكذا.

وكان - رحمه الله - من شدة تمرسه يواجه الخصم بحججه، ويضرب أقوال الخصوم بعضها ببعض، وكان ينكر على من يحيد عن الموضوع حال المناظرة ويعرض بالذين يتهربون عن المواجهة، وكان يعلن أنه يقبل الحق متى استبان له، فليس جداله عن عصبية أو إثبات ذات أو لتعجيز خصم وإحراجه.

16-التجرد ونشدان الحق:

كان الشيخ - رحمه الله - لا يتعصب لقول أحد كائنًا من كان إلا قول الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، يقول - رحمه الله:"ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم، مثل: ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (مجموع مؤلفات الشيخ 5/252) .

ولا يخفى أن المدعو يتأثر كثيرًا بمن ينشد الحق، ويسعى لطلبه ولا ينافح عن قول أحد لكونه معظمًا عنده، ولا يطلب شيئًا لنفسه من محمدة أو جاه أو مال أو غير ذلك من مكاسب الدنيا ومراتبها، ولذا كان الأنبياء يصرحون لأممهم بأنهم لا يسألونهم على دعوتهم أجرًا، قال الله تعالى عن هود:"يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ" (هود: 51) ، ومثل ذلك ورد عن صالح وإبراهيم وغيرهم من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.

17-رد الشبهات والإجابة عليها:

لم يدع الشيخ - رحمه الله - الشبهات تعبث في قلوب الناس وتفسد عقولهم، فكان يرد على الشبهة أو الشبه، سواء أرسلت إليه أو سمعها أو كان يتوقع أن يقولها خصومه، ولذا كانت للشيخ مبادرات في رد الشبه قبل فشوها حماية للدعوة والمدعوين من التأثر بها، وكان رد الشيخ يتسم بالوضوح وعدم التعقيد فيستفيد منه العامي وطالب العلم وغيرهما، كما يقسم بالأصالة حيث يدفع الشبهة بالدليل من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا بزخارف القول وتنميق الكلام، ولعل أوضح مثال على ذلك كتابه (كشف الشبهات) ، وكتاب (مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد) .

18-استشراف المستقبل:

هذا لون من التخطيط لمستقبل الدعوة، حين يقوم الداعية بدراسة الأوضاع الراهنة فيضع بدائل متعددة يقابل بها أي طارئ يستجد على صعيد الصراع بين الحق والباطل، ولعل من أجَلِّ الأمثلة على ذلك وأوضحها: عقد صلات مع بعض أهل الدرعية قبل أن يفارق العيينة أو يطرد منها، فكانت له صلة مع آل سويلم واثنين من إخوة محمد بن سعود، وهما: ثنيان ومشاري، بل إن كتاب تفسير سورة الفاتحة كتبه الشيخ حين كان في العيينة بناءً على طلب من ابن أمير الدرعية آنذاك، وهو: عبد العزيز بن محمد آل سعود.

19-هجر المكان الذي لا يقبل الدعوة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت