الصفحة 3009 من 3812

إن هجر الداعية للمكان الذي رفض الدعوة أو تردد في قبولها ولم يعرها اهتمامه، والبحث عن مكان آمن يستقبل الدعوة ويهيئ الجو المناسب لانتشارها، ولذا خرج الشيخ من حريملاء إلى العيينة؛ لأن بعض أهلها هموا بالاعتداء عليه، ولأن أمير العيينة تأثر بدعوة الشيخ وقبلها فكانت الفرصة مناسبة للانتقال؛ لأن المقصود نشر الدعوة وقيامها، وهجر الأوطان من أشق الأمور على النفوس وأصعبها، لكن الذي يحمل هم إصلاح الخلق ورفع راية الحق لا يبالي أي أرض حلّ ما دامت مصلحة الدعوة تقتضي ذلك، ولما حصل التهديد لأمير العيينة حول الشيخ وأمره بالخروج منها خرج إلى الدرعية طالبًا الملاذ الآمن له ولدعوته لعل الله أن يجعل ذلك سبب انتشار الدين ورفعة أمره.

20-مراعاة أحوال المدعوين:

إن مراعاة حال المدعو ضرورة تتوقف عليها نجاحات الداعية، والفرق بين الداعية وغيره أن الداعية يتبع الحكمة ويراعي المدعو لعله يوافق من قلبه قبولًا ومن ذهنه فهمًا ومن عاطفته ميلًا واستجابة، ولذا كان تعامل الشيخ مع المدعوين مختلفًا حسب أحوالهم وظروفهم ومستويات تفكيرهم ومناصبهم، ومن تأمل كتب الشيخ ورسائله وجد ذلك جليًا ظاهرًا حتى إنه ليكتب بعض عباراته بالعامية لتحقيق هدفه ومراعاته لمدعويه، لا كما في كتاب تلقين أصول العقيدة للعامة، ولما خرج إلى الدرعية وتعاقد مع محمد بن سعود راعى جانب السلطة والإمارة عنده فلم ينازعه إياها أو يدعي لنفسه ما يدعو الأمير إلى التلكؤ والرد، بل حفظ للمدعو حقه ومكانته، ومن قرأ خطب الشيخ وجد هذا المعنى في خطبه من مراعاة أحوال المدعوين، ورسائله - رحمه الله - يختلف أسلوبها باختلاف المدعو.

وختامًا:

هذه بعض الجوانب الدعوية في دعوة الشيخ وهي غيض من فيض، وقد بقيت فيها بقية، كما أن ما ذكر يحتاج في بعض الأحيان إلى بسط وتوضيح وتمثيل، أسأل الله تعالى أن يوفق للقيام بذلك، ويعين عليه ويخلص الأقوال والأعمال، والله المستعان وعليه التكلان.

أصوات تطرب لها الذئاب

حدَّثتُ نفسي ذات مساء: لو سار الذئب خلف الحملان، لقلنا: شأنه وطبيعة جُبل عليها ... فكيف وقد سارت الحملان تتهادى بحسنها وتثغي بصوتها تريد أن تلفت انتباه الذئب؟! إنَّ ذلك معاكس لطبيعة الأشياء، وللمعروف والسائد.

وحدَّثتُ نفسي ذات مرَّة: هل يفترض أن يوجد في العالم ذئاب وحملان على صور آدمية؟ أقصد: بشرًا يحاكون الذئاب والحملان في تصرفاتها، فالأولى تخدع الثانية، والثانية تنخدع بالأولى، ثمَّ ألا يكفيها ما ترى وما يقع لمثيلاتها من الحملان حتى تتعظ؟

أطلت، ولكن ألا ترون أنَّ بعض النساء تحاكي الحملان في تصرُّفاتها عن سذاجة (سأفترض ذلك!) فهي لا تدرك أبعاد السلوكيات التي تقوم بها، ونتائج ما تقوم به، ومقدار التنازلات التي تقوم بها عن"طيبة"ـ عفوًا أخطأت ـ"عن غفلة"! أعتقد أنَّ ذلك أصوب.

والذئاب التي تأتيها هذه التنازلات تنتظر التفاتة من هذه الحملان حتى تهجم عليها بعينها وبلسانها أو حتى تفترسها بيدها.

ألا تعتقدون أنَّ من السذاجة لدى بعض النساء تنعيم الصوت عند محادثة الرجال؟ والرجل ـ أي رجل ـ يهزَّه صوت المرأة، فكيف والصوت ناعم منعَّم. ومهما كانت وسيلة المرأة؛ محادثة مباشرة أو عبر هاتف، أو حتى مذيعة في إذاعة أو تلفاز، وأيًَّا كان هدف هذه المحادثة؛ فإنَّ هذا لا يعذرها بتنعيم صوتها وترخيمه والتغنُّج فيه.

تقول إحداهن: ذهبتُ لمحل كبير يوجد فيه مختلف أنواع البضائع، وتتعدَّد فيه منافذ البيع، وبينما أنا منهمكة في الشراء إذ بفتاة شابة"متبرِّجة"تتجه إلى أحد العاملين في السوق وهي تحمل بيدها صندوقًا يحوي لعبة من ألعاب الأطفال، ثمَّ تتكلَّم مع هذا العامل بصوت ناعم وبأسلوب فيه دلال تقول:"ما أدري أين أحاسب على هذا، هنا أم هناك؟"عفوًا.. أريد منكم ـ حفظ الله أسماعكم ـ تنعيم صوتكم وأنتم تقرؤون هذا السؤال!

تقول صاحبتنا ـ التي تروي القصة: لفتت هذه بصوتها وبحركاتها ودلالها كلّ من حولها، وإذ بمارد ضخم يخرج من بين البضائع يتوجَّه للفتاة صاحبة السؤال بأسلوب أكثر نعومة من أسلوبها، يقول وهو يكاد يأكلها بعينيه: حاسبي في أي مكان، هنا أو هناك، وابتسامته شتت تقاطيع وجهه الجامدة وكأنَّما عثر على ضالته.

أوَ ليس من السذاجة أن تنعم الفتاة صوتها في الهاتف، وبخاصة إذا كان المتحدِّث رجلًا، بل والتحدُّث معه بأسلوب فيه رخاوة؟

ما رأيكم بهذا المقطع من محادثة هاتفية تتكرر كثيرًا حتى تبلَّد الحس في إنكارها واعتقدنا أنَّ ذلك نوع من الذوق، أو ما يسمِّيه الغربيون"الإتيكيت":

اسمعوا حفظ الله أسماعكم:

الرجل: مساء الخير.

المرأة: مساء النور.

الرجل: فلان موجود؟

المرأة: لا يا عيوني، خرج لـ... إلخ.

هل هناك داعٍ لهذه التفاصيل وتلك الكلمة التي خرجت ببراءة، (عفوًا، بسذاجة) ؟!

الرجل: إذًا مع السلامة.

المرأة: عفوًا يا عيوني، من أقول له؟"."

وهل هناك داعٍ لهذا الاستفسار وإطالة المكالمة، خصوصًا وهو المتصل، ويفترض أنه حريص على أن يترك اسمه؟

تبدأ السذاجة عند بعض النساء بتوزيع الألفاظ الناعمة بدون حساب، ولاحظوا بعضهنّ وهي تبيع جزءًا من حيائها وحشمتها من أجل حفنة ريالات"تكاسر"البائع بها!! وادخلوا بعض المحلات لتجدوا فتاة تخلو بالبائع في المحل، وليس بينها وبينه إلاَّ طاولة البضائع، تحاجج البائع في ثمن بضاعة بعبارات على شاكلة

"علشاني، الله يخليك، ولا أرتاح إلا أشتري من عندك". فإذا غُلِّف كلّه بأسلوب منمّق وصوت ناعم فكيف النتيجة؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت