فهرس الكتاب
وهناك في المقابل من يكون شديدًا من الأولاد بنين وبنات على أهله، بحيث لا يتسع صدرهم لما يكونون عليه من الأمور المباحة، فتجده يريد من أبيه أو أمه أو إخوته أن يكونوا على المستوى الذي هو عليه من الالتزام بشريعة الله، وهذا غير صحيح، فالواجب عليك إذا رأيتهم على منكر أن تنهاهم عنه، أما إذا رأيتهم قد قصروا في أمر يسعهم التقصير فيه كترك بعض المستحبات فإنه لا ينبغي لك أن تشتد معهم، وكذلك في بعض الأمور الخلافية يجب عليك إذا كانوا مستندين إلى رأي أحد من أهل العلم أن لا تضيق بهم ذرعًا، وأن لا تشتد عليهم.
فالذي ينبغي للإنسان سواء أكان داعية لغيره إلى الله، أم متعبدًا لله أن يكون بين الغلو والتقصير، مستقيمًا على دين الله - تعالى -كما أمر الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك في قوله: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} .
وإقامة الدين: الإتيان به مستقيمًا على ما شرعه الله - تعالى -، ولا تتفرقوا فيه، نهى عن ذلك - سبحانه وتعالى -؛ لأن التفرق خطره عظيم على الأمة أفرادًا وجماعات.
والتفرق أمر مؤلم ومؤسف؛ لأن الناس إذا تفرقوا كما قال الله - تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} ، فإذا تفرق الناس، وتنازعوا فشلوا وخسروا وذهبت ريحهم، ولم يكن لهم وزن، وأعداء الإسلام ممن ينتسبون للإسلام ظاهرًا، أو ممن هم أعداء للإسلام ظاهرًا وباطنًا يفرحون بهذا التفرق، وهم الذين يشعلون ناره، ويلقون العداوة والبغضاء بين هؤلاء الإخوة الدعاة إلى الله، فالواجب أن نقف ضد كيد هؤلاء المعادين لله - تعالى -ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ولدينه، وأن نكون يدًا واحدة، وأن نكون إخوة متآلفين على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما كان سلف الأمة في سيرهم ودعوتهم إلى الله - تعالى -، ومخالفة هذا الأصل ربما تؤدي إلى انتكاسة عظيمة، والتفرق هو قرة عين شياطين الإنس والجن؛ لأن شياطين الإنس والجن لا يودون من أهل الحق أن يجتمعوا على شيء، بل يريدون أن يتفرقوا لأنهم يعلمون أن التفرق تفتت للقوة التي تحصل بالالتزام بالوحدة والاتجاه إلى الله - تعالى -ويدل على هذا قوله - تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} ، وقوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} ، وقوله: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء} ، وقوله: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} .
فالله - تعالى - قد نهانا عن التفرق، وبيّن لنا عواقبه الوخيمة، والواجب علينا أن نكون أمة واحدة، وكلمة واحدة، وإن اختلفت آراؤنا في بعض المسائل، أو في بعض الوسائل؛ فالتفرق فساد وشتات للأمر، وموجب للضعف، والصحابة -رضوان الله عليهم - حصل بينهم اختلاف لكن لم يحصل منهم التفرق ولا العداوة ولا البغضاء، حصل بينهم الاختلاف حتى في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن ذلك أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال لأصحابه: (( لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة ) )، وخرجوا - رضوان الله عليهم - من المدينة إلى بني قريظة، وحان وقت صلاة العصر، فاختلف الصحابة، فمنهم من قال: لا نصلي إلا في بني قريظة ولو غابت الشمس؛ لأن الرسول- صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة ) )فنقول سمعنا وأطعنا.
ومنهم من قال: إن النبي - عليه الصلاة والسلام - أراد بذلك المبادرة والإسراع إلى الخروج، وإذا حان الوقت صلينا الصلاة لوقتها، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يعنف أحدًا منهم، ولم يوبخه على ما فهم، وهم بأنفسهم لم يتفرقوا من أجل اختلاف الرأي في فهم حديث الرسول - عليه الصلاة والسلام -، وهكذا يجب علينا أن لا نتفرق، وأن نكون أمة واحدة.
قد يقول قائل: إذا كان المخالف صاحب بدعة، فكيف نتعامل معه؟.
فأقول: إن البدع تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: بدع مكفرة.
القسم الثاني: بدع دون ذلك.
والواجب علينا في القسمين كليهما أن ندعو هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام، ومعهم البدع المكفرة وما دونها، إلى الحق ببيان الحق، دون أن نهاجم ما هم عليه إلاّ بعد أن نعلم منهم الاستكبار عن قبول الحق؛ لأن الله - تعالى -يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم -: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم} ، فندعو أولًا هؤلاء إلى الحق ببيان الحق وإيضاحه بأدلته، والحق مقبول لدى ذي كل فطرة سليمة، فإذا وجد منهم العناد والاستكبار فإننا نبيّن باطلهم على أن بيان باطلهم في غير المجادلة معهم أمر واجب.
أما هجرهم فهذا يترتب على البدعة؛ فإذا كانت البدعة مكفرة وجب هجرهم، وإذا كانت دون ذلك فإننا ننظر إلى الأمر، فإن كان في هجرهم مصلحة فعلناه، وإن لم يكن فيه مصلحة اجتنبناه، وذلك أن الأصل في المؤمن تحريم هجره لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( لا يحل لرجل مؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث ) )فكل مؤمن وإن كان فاسقًا فإنه يحرم هجره ما لم يكن في الهجر مصلحة، فإذا كان في الهجر مصلحة هجرناه؛ لأن الهجر دواء، أما إذا لم يكن فيه مصلحة، أو كان فيه زيادة في المعصية والعتو فإن ما لا مصلحة فيه تركه هو المصلحة.