فهرس الكتاب
وكان من أمثلة ذلك عمليًا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما روى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَهْ مَهْ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: [لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ] فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: [إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ - عز وجل - وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ-أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -] قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ. رواه البخاري ومسلم-واللفظ له-. وفي رواية للترمذي وغيره: [أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ] ثُمَّ قَالَ: [إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ] .
ومن أعظم أسباب نجاح الدعاة: أن يتحلوا بالصبر: ولذلك قال لقمان لابنه وهو يعظه: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [13] } [سورة لقمان] .
كما أن من أعظم أسباب نجاح الدعاة كذلك: أن يكونوا عاملين بما يدعون الناس إليه، منتهين عما ينهون الناس عنه: وقد وصف الله الذي يخالف قوله فعله بأنه ممقوت، وفي ذلك يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [2] كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [3] } [سورة الصف] .
ولله در الشاعر إذ يقول:
يا أيها الرجل المعلم غيره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى *** كيما يصح به وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يسمع ما تقول ويهتدى *** بالقول منك وينفع التعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم
ولذلك قال شعيب - عليه السلام - لقومه: ... وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [88] } [سورة هود] . والحمد لله أولًا وآخرًا.
من محاضرة 'طرق الدعوة إلى الله' للشيخ عبد القادر شيبة الحمد
الاثنين 7 رجب 1425هـ - 23 أغسطس 2004
فضل الخطابة ومكانتها في الإسلام
إعداد حسن زهرة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
بلغت الأدلة على فضل الدعوة إلى الله مبلغًا عظيما قرآنية كانت أم سنية عن المعصوم - صلى الله عليه وسلم -.
قال - تعالى: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين {فصلت: 33} .
فلا أحد أحسن قولا ولا أفضل عملا، ولا أكرم سعيًا، ممن دعا إلى مولاه، واقتدى برسوله، واهتدى بهداه. مما يوضح أهمية الدعوة إلى الله وفضلها وما يجنيه الداعي إلى الله من عظيم أجر وكثير فضل، واستغفار الملائكة.
وكفى الداعي إلى الله شرفًا أنه وريث الأنبياء قال - صلى الله عليه وسلم:"من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإنَّ العلماء ورثة الأنبياء وإنَّ الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر". {صحيح الجامع ح6297}
وقال - صلى الله عليه وسلم:"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم وإنَّ الله - عز وجل - وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير". {صحيح الجامع ح4213} .
هذه الأحاديث وغيرها كثير تحثنا على طلب العلم ونشره بين الناس وتعليمه لهم وهي كافية لتكون تمهيدًا لمن أراد لنفسه التصدر في دعوة الناس وهدايتهم، حتى يهتم بدعوته ويطور من أسلوبها، ويتعلم كيف ينمي حصيلته العلمية وينظم لها الطريق الذي يصل به إلى الناس بصورة مفيدة، ومشوقة ونافعة.
ولأن الخطابة صورة من أبرز صور الدعوة إلى الله - تعالى - فقد نالت تلك المكانة السامية في الإسلام فبها"تتهذب النفوس، وتنتبه العقول من غفلتها، وتستيقظ من رقدتها، وتستنير البصائر بنور الطاعة، بعد أن أظلمتها المعاصي" {هداية المرشدين ص93} ، وهي فوق ذلك كله"سلاح من أسلحة الدعوة يُحِقُّ الله به الحق، ويبطل الباطل، وعندما يكثر المبطلون في الأرض، ويظهر شرهم في البر والبحر، فإنَّ الخطيب واحد من الذين يتصدون لهذا الشر كسرًا لشوكته مع غيره من رفاق السلاح على طريق الحق".
{الخطابة في موكب الدعوة د- عمارة ص55} .
"لذلك فقد عنى الإسلام بالخطابة فشرع الخطب أيام الجمع والأعياد ليقوم الخطيب فيها بإرشاد يراعى فيه حال الأمة فيقرع أسماعها بالموعظة الحسنة ويستنهضها للأعمال التي تكفل عزها في الدنيا وسعادتها في الآخرة". {المصدر السابق} .
"إن الخطيب يرشد السامع إلى ما يحتاج إليه من أمور دينه ودنياه ويقيم له مراسيم لتقويم عيشه والاستعداد إلى ميعاده، وحسب الخطابة شرفًا أنها وظيفة قادة الأمم من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين". {فن الخطابة ص15} .