الصفحة 3028 من 3812

ففي إحياء ليلة القدر حياة للإنسان الفرد؛

طوبى لِمَن أحيا ليلة القدر ببذل الخير وفعل المعروف؛ برفع مستوى معيشةٍ لفرد.

وطوبى لِمَن خفف آلام أسرة، ونقلها من حالة فاقة وضيق، إلى ساحة كفافٍ وَسَعَةٍ، بتحقيق الكفاية الحياتية لها.

في مثل هذا إحياءُ ليلةِ قَدْرِك، وبمثل هذا تشريفٌ لمنزلتك، فهذه الأعمال وأشباهُها هي الرافعة لشأنك، والمشرِّفة لِقَدْرك؛ عند الله وعند خلقه.

ونلمح في الإحياء نورَ تنميةٍ في المجال الاقتصادي الخاص والعام؛ بتحويله من مشروعِ إنفاقٍ خِدْمي صِِرْفٍ؛ إلى مشروعٍ تنموي مثمرٍ منتج، وفي هذا عملية إحياءٍ، وحسنُ تقديرٍ؛ متوافقٌ مع ليلة القدر.

في الإحياء للحياة: تنمية للواقع المادي بما يُحَسِّنْه، وللأعمال بما يجعلها مُتْقَنَة، وللفنون بما يُجَمِّلُها؛ مع ربط كل ذلك بالخالق المكوِّن، بالرحيم الرحمن، بِمَن عَلَّم الإنسانَ القرآن؛ متجاوزين التعلق بالشكل والمظهر، واصلين إلى الحقيقة والجوهر؛

فالعلوم مرتبطة بالله العليم، والعمل مرتبط بالله الرقيب، والحكمة مرتبطة بالله الحكيم، والصنعة والصناعة مرتبطة بالله الخبير، والزراعة مرتبطة بالله المحيي، والتجارة مرتبطة بالله الحسيب، والطب مرتبط بالله الشافي، والهندسة مرتبطة بالله المبدع، والقضاء مرتبط بالله العادل، والمحاماة مرتبطة بالله الحق، وهكذا في كل شؤون الحياة.

فهنيئًا لكم أيها السالكون سبل إحياء الإنسان، هنيئًا لكم أيها العاملون في سبيل التنمية؛ وقد اتخذتم سبل التحديث من مفاهيم القرآن، واستخدمتم أدوات التطوير من نتاج حضارة الإسلام؛ بعيدًا عن التقليد والمحاكاة للآخر، ليس نبذًا أو تنكرًا، بل تأصيلًا وتحققًا.

فلسطين والعراق:

أيها المؤمنون في كل مكان: يحتفل المسلمون بليلة القدر وشعبنا في فلسطين الحبيبة، وفي العراق الجريح؛ يعيش حالة تُدمِي القلب، وتَعصِر الفؤاد.

فمع لحظات الغروب يفطرون على صوت المدافع، لكنها المدافع القاتلة والقنابل المتفجرة.

ويصومون مع هدير الطائرات ودوي الدبابات وأزيز الرشاشات؛ تخترق أجسامهم، وتدمِّر أحلامهم، وتخطف بالموت مواليدهم وأطفالهم.

ولهم علينا حق؛ فإن لم نتمكن اللحظةَ واليومَ من أداء كامل هذا الحق هوانًا وضعفًا؛ فلا أقل من المحافظة على هذا الحق وصيانته، وتوريثه لأجيالنا وأبنائنا عزة وقوة؛

فالقدس أمانة، ووحدة الأمة والشعب أمانة، ووحدة المسار والمصير أمانة، ومأمورون من الله بأداء الأمانة.

تذكروا عباد الله: أنه في الوقت الذي تمتلأ فيه مساجد المسلمين في شتى بقاع العالم بالعُبَّاد والداعين، الراكعين الساجدين في ليلة القدر المباركة؛ فإن هناك مسجدًا أسيرًا؛

الأقصى وراء القضبان صامد، وخلف الأسوار ثابت، يرنو بعين حزينة، نحو أمة ضعيفة عن نصرته، كليلة عن تأييد حق شعبه.

المسلمون وتهمة الإرهاب:

أيها المسلمون: يأتي احتفالنا اليوم وسط ظروف عالمية تحتم العمل الدؤوب بمسئولياتنا؛ كلٌّ في موقعه على أكمل وجه، وأعلى درجة من الإحكام والتقدير، إذا أردنا أن نحيا ليلة القدر بمعناها؛ للحفاظ على خصوصياتنا الدينية والثقافية والاجتماعية.

فلقد اُتخذت بعضُ الأحداثِ ذريعةً للإيحاء للعالم بوجود صلة بين أمتنا المسلمة، وبين القتل والتدمير والإبادة والتطرف، وقاموس التهم جاهز.

وحُوِّلَت أنظارُ المؤسساتِ الدوليةِ الكبرى إلى أعمال عنف فردية أو جماعية، وتناست بل تعامت عن أعمال العنف المنظَّم؛ الذي يُجرِّف الأرض، ويُهدِّم الحجر، ويُحرِّق الشجر، ويقتلع الإنسان من جذوره، ويغتال شعبًا أعزل بأكمله.

وماذا يُسمى احتلالُ أرض الغير، وامتهانُ كرامة الإنسان، وإذلالُ الشعوب؛ إن لم يكن إرهابَ دولة؟!!!.

الدعاء:

اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، وأدم اللهم نعمة الاستقرار في بلادنا، ونعمة التقدم والازدهار في ربوعنا.

اللهم إنك عفو تُحب العفو فاعفو عنا، واقض حوائجنا فيما يرضيك عنا.

وصلى الله وسلم على نبيه الأمين، وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر الميامين، والحمد لله رب العالمين.

( [1] ) سورة الزخرف، [43/44] .

( [2] ) سورة الأنبياء، [21/10] .

( [3] ) سورة الشمس، [91/2] .

( [4] ) سورة البقرة، [2/121] .

( [5] ) سورة العلق، [96/1] .

( [6] ) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو.

( [7] ) سورة القدر، [97/5] .

( [8] ) سورة القدر، [97/5] .

( [9] ) رواه مسلم.

( [10] ) سورة الأنفال، [8/24] .

في جامع بني أمية الكبير بدمشق، مساء الثلاثاء 26/رمضان/1425هـ، 9/11/2004م.

الدعوة واستخدام التقنيات الحديثة

لا يشك أحد أن التقنيات الحديثة اليوم بلغت درجة كبيرة من التقدم، وهي تستخدم لأغراض متعددة سواء كانت تلك الأغراض مشروعة أو ممنوعة، وصار الكل يتفنن في عرض ما لديه سعيًا للتأثير في الآخرين، ومن المجالات الطيبة التي استخدمت فيها تلك التقنيات الدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى -، بهدف تذكير المؤمنين بدينهم، ودعوة غيرهم إلى الإيمان بالله - عز وجل - المعبود بحق، اتباعا لأمره - سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل: 125) ، وقوله - سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت: 33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت