فهرس الكتاب
فالبدءُ بالأعمال يمر عبر النية والتخطيط، وتقديرُ الأمورِ منوطٌ بمقاصدها، والعاقبة للمتقين.
وبعد النية والموازنة ومباشرة العمل وأدائه تأتي مرحلة المحاسبة والمراجعة، لوضع التقدير الصحيح.
• فليلة القدر تعني فيما تعني: إعطاءَ الدرجةِ والعلامةِ والتقدير؛ لأعمالك وأقوالك، وتصرفاتك وسلوكك؛ على أساسٍ من القرآن والسنة؛
لترى نتيجة عملك: أمن الناجحين الفائزين، أم من الخائبين الخاسرين؟!!.
فيا لسعادةِ مَن كانت نتيجةُ عمله نجاحًا وتشريفًا،
ومراجعةُ أمورِ دنياه تقدمًا وازدهارًا،
وتقديرُه الروحي رقيًا وفلاحًا.
• وبعد الموازنة والتقدير يأتي دور التشريف والوقار والتعظيم، والعزة والتمكين والتكريم؛
بعلوّ الدرجة ورفعة المنزلة عند الله؛
وذلك بمقدار ما تحمل في فكرك وعقلك وقلبك؛
فتَشَرَّف أخي المؤمن بالقرآن حملًا، وارفع قَدْرَك به عملًا.
• وإلى أولئك الذين فاتتهم هذه الحركة الانسيابية من الموازنة والتخطيط، والتقدير بالتشريف؛
فليلة القدر لا تفوتهم؛ إذ هي ليلة العزم والتأكيد:
فمَن عاش ليلة القدر بخشوع وصفاء، وطهر ونقاء؛ متوكلًا على خالق الأرض والسماء؛
فتح الله عليه، وألهمه رشده؛ وكانت ليلةُ قَدْره يومَ تعظيمِ ربه، وتوقيرِ دينه.
ألا وليُعلم أن ليلة القدر ليست ظاهرةً كونيةً تلمع، ولا شبحًا غامضًا في أرجاء السماء يُلمح، ولا رؤيةَ ملاكٍ في الفضاء يسبح.
ليلة القدر ليست مجرد نورًا في الظلام يسطع، ولا كنزًا ماليًا بالصدفة يُدْفَع.
ليلة القدر ليست كوكبًا دريًا في سماء الكون يوقد، ولا صورةً جميلة في مخيلة الذهن تظهر.
فهذه وأمثالها أوهام في فهم العبادة، وانحرافات في وعي الدين، وذلك حين يكون التطلع إلى شكل العبادة بعيدًا عن مضمونها، وحين يكون النظر إلى السطحيات لا إلى العمق والهدف، وعندها يُجَمَّد الدين عن الواقع ويُعزل، ويتحوّل إلى مجرد طقوسٍ وعاداتٍ وتقاليد.
ليست ليلة القدر كذلك؛ بل هي ليلة حصاد جهود أعمال أديتها على مدار العام؛ عبر سنوات عمرك، وأشهرِ سنتك وعامك، وأيام شهرك؛ لا للحظات أو سويعات، بل بأوقات مستديمات،
نعم، ليست ليلة القدر عبادةَ ساعاتٍ أو أيام، بل يكون ذلك دأبك على الدوام.
ويتحقق المراد: عندما يتحول كلُ مسلم إلى قرآنٍ بالحق ناطق، ولخير البشرية فاعل، ولنفع الخلق ساعٍ؛ بتلاوة القرآن حق تلاوته؛
ففعل: (تلا) لا يعني (قرأ) فقط، بل أصل معناه اللغوي: (تبع) ، قال - تعالى: [وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا] ( [3] )
أي: تبعها،
وأنتم يا أهل القرآن، ويا مَن أوتيتم الكتاب: اتَّبِعوا ما فيه واعملوا بأحكامه، وتخلقوا بأخلاقه، قال - تعالى: [الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكَتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ، أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ] ( [4] )
وكان - صلى الله عليه وسلم - خُلُقه القرآن.
أيها الأخوة والأحبة: بالقرآن أضاءت الأرض بنور السماء، وسمت الأمة وارتفعت بخير النداء؛ مستخدمة العلم وسيلة للرقي والتقدم، وأداة للرفعة والتمدن؛ إذ كان أول توجيه في القرآن: [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ] ( [5] )
ومنها انطلقت الحضارة الإسلامية الإنسانية وانتشرت.
فيا قارئ القرآن لا تقرأ وَرَقَهْ، بل اقرأ وارق، وفي الحديث:"يُقَال لصاحبِ القرآن يوم القيامة اقرأ وارْقَ ورتِّل كما كنت تُرَتِّل في الدنيا؛ فإن منزلتَك عند آخر آية تقرؤها" ( [6] ) ، هكذا شأن مَن عرف قَدْر قرآنِ ربه، وقرأ القرآن في ليلةِ قَدْرِه.
ليلة القدر [سَلاَمٌ هِيَ] ( [7] ) بين الناس، وطمأنينة هي بذكر الله في القلوب، وصفاء هي في النفوس.
ليلة القَدْر لحظةُ [مَطْلَعِ الْفَجْرِ] ( [8] ) نورًا يشع من قلبك الذاكر لله على جوارحك، وينتقل قيمًا وأخلاقًا إلى سلوكك وأعمالك.
فمَطْلَع الفجر مولد النهار بضيائه بعد ليل مظلم مدلهم، مولد السعادة بعد الشقاء، مولد الطاقة بعد المعصية، مولد القرب إلى الله بعد الجفاء، مولد العهد بينك وبين ربك على الثبات والاستقامة.
وما أحوج الأمة اليوم لطلوع فجر نصرها الكامل، وبزوغ نهار عدلها المشرق، وزوال الغيوم عن شمس حضارتها، وفي الحديث:"إن الله لَيَرْفَعُ بهذا الكتاب أقوامًا ـ اللهم ارفعنا بالقرآن وانفعنا ـ ويَضَعُ به آخرين" ( [9] ) .
فَأَقْبِلُوا ـ عباد الله ـ على القرآنِ بصدورٍ منشرحة، وقلوبٍ منفتحة، وعقولٍ واعية، ونفوسٍ مطمئنة؛ ليُعتمد القرآن ركيزة للعلوم، وأساسًا للمعارف والفهوم، ومنطلقًا للدراسات والأبحاث، ومُحَدِّدًَا للقيم والمفاهيم، ومفتاحًا للانتصارات؛ باستخدام أسلوب الإحياء والتطوير، والانبعاث والتحديث.
فليس هناك أرقى من نهضةٍ؛ تقومُ على العلم.
ولا أبقى على حضارةٍ؛ تكون الحكمةُ رائدها.
ولا أخلدَ من أمةٍ تقومُ على الصلةِ الربانية والطهارةِ النفسية.
وكل هذا مبثوث موجود في كتاب ربك.
فالقرآن الكريم نورُ العلم الذي خرجت به الأمة من ظلمات الجهل وترهات الجاهلية.
وهو الهدى نحو الرقي الإنساني بعد حيرة الضلالات السابقة واللاحقة.
وبكلمة جامعة: القرآنُ حركةُ إحياءٍ وانبعاث؛ ونهضةٍ وعُمْران؛ يُصْلِحُ الزمانَ والمكانَ والإنسانَ؛ لطي صفحات الخمول والموات، وتذويب التحجر والجمود، وتجاوز المحاكاة والتقليد؛ للوصول إلى حركة الفعل والإبداع، وتجدد الجهاد والاجتهاد والتلازم بينهما، وللوصول إلى خير المواكبة والتحديث، ونعمةِ الواقعية والتطوير، قال - تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وِلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ] ( [10] ) .
ففي الإحياء حياة لكل شؤون الناس، وتنمية اقتصادية واجتماعية على أوسع مجال.