فهرس الكتاب
وبعد هذا.. تأمل معي هذا الكلام الرائع لأستاذ الدعوة البارع الشيخ محمد الراشد - حفظه الله تعالى - في مقدمة المسار إذ يقول:"إن للتقوى آثار تشغيل، وبمقدار جديتنا يكون الناس جديين، ولنا شاهد دائم في أنفسنا، فإننا نتفاوت بين يوم ويوم، وإيماننا يزيد وينقص، فإذا كنا حينًا في إيمان جيد رأينا إقبال الناس علينا، وإذا كان فينا جزر إيماني وقسوة قلب في حين آخر: رأينا قلة جدوى نشاطنا، مع كثرة غدونا ورواحنا.. وكل منا قد تعاقبت عليه مثل هذه الأحوال، ولمس بنفسه اختلاف مواقف الناس منه...".
وفي نهاية المطاف.. فإن الداعية إلى الله - عز وجل - متى ما قام بواجب الأمر والنهي، حريصًا على أن لا يأمر الناس إلا بأمر قد ائتمر به، ولا ينهاهم إلا عن شيء قد انتهى عنه، آخذًا بالأسباب، غير مغفل للوسائل، فما عليه بعد هذا، وهذا حاله أن يعلق قلبه في مثل قوله - عز وجل: {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظًا إن عليك إلا البلاغ... } (4) .
الهوامش:
(1) رواه البخاري في الرقاق (باب التواضع) 11/292، 297.
(2) رواه البخاري في بدء الخلق (باب ذكر الملائكة) 6/220، ومسلم - واللفظ له في أواخر كتاب البر والصلة والأدب (باب إذا أحب الله عبدًا حببه لعباده) (2637) .
(3) ابن هشام ج2 ص 61، 62، وانظر عند الهيثمي في مجمع الزوائد: 6/235، وعند الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي: 2/275، رقم: 1839.
(4) سورة الشورى آية (48) .
كيف تؤتي خطبة الجمعة أكلها ؟
د. محمد عمر دولة
لو أننا تأمّلنا حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه - الذي يذكره كثيرٌ من الخطباء في خطب الجمعة: (وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظةً وجلت منها القلوبُ، وذرفت منها العيونُ، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظةُ مودِّع فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله - عز وجل - والسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عَبْدٌ؛ فإنه من يعشْ منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدييّن، عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنّ كل بدعة ضلالة) . [رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح] لوجدنا فيه معانيَ أكثر من التي اعتاد الناس الاحتجاجَ به عليها: مثل الدعوة إلى لزوم السنة، واجتناب البدعة.
فقد استنبط الإمام الخطابي من هذا الحديث معنى"الأمر بالصّبر على ما يصيبه من المضض في ذات الله كما يفعله المتألم بالوجع يصيبه" [1]
ومما يمكن الاستدلال عليه بهذا الحديث أنّ الموعظة البليغة والذكرى النافعة للمؤمنين بمثابة الغيث الذي يُحيى الأرض بعد موتها، كما قال الله - تعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمةً طيّبةً كشجرةٍ طيّبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء * تؤتي أُكلها كلَّ حينٍ بإذن ربها ويضرب الله الأمثالَ للناس لعلّهم يتذكّرون} ؛ فقد أثمرتْ كلماتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في قلوب الصحابة - رضي الله عنهم -، وذلك - لعمري - مصداق قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا: فكان منها نقيّةٌ قبلت الماء فأنبتت العشب الكثير...) حتى قال: (فذلك مثل من فَقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِمَ وعلَّم) رواه البخاري في كتاب العلم.وفي رواية مسلم: (طائفةٌ طيّبةٌ) .
ومما يُمكن استنباطُه من فقه هذا الحديث أهمّيّة مراعاة ضوابط منهجيّةٍ في الخطبة، وتوفير شروطٍ علميّةٍ في الخطيب؛ فمن ذلك:
أولًا: البلاغة:
كما جاء هاهنا: (وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظةً بليغةً) قال ابن رجب:"والبلاغة في الخطْبة مُسْتَحْسَنةٌ؛ لأنها أقربُ إلى قَبول القلوب واستجلابها، والبلاغةُ هي التوصُّلُ إلى إفهام المعاني المقصودة وإيضاحها إلى قلوب السامعين بأحسن صورةٍ من الألفاظ الدّالة عليها وأفصحها وأحلاها للأسماع وأوقرها في القلوب" [2] .
ثانيا: حُسْنُ عَرْض الآياتِ والأحاديثِ:
والعناية ببيان المسائل الشرعيّة بحيث تنشرح العقول لتفهّمها؛ ورُبَّ دليلٍ يُستعمَل في بابٍ دقيقٍ لا يخطر على البال - كصنيع البخاري - رحمه الله - في صحيحه - فتتشوّق النفوس إلى سماعه، وتزداد به انتباهًا وفهمًا وابتهاجًا.
ثالثًا: التزام التوثيق والأمانة العلميّة، وتعليم الناس محبةَ الدّليلِ:
وذلك بالعزو إلى البخاري ومسلم والموطأ وغيرها من كتب العلوم - وهذا يكاد أن يكون مفقودا - وأما تعميمُ الكلامِ، والإغراقُ في الشعارات، والميلُ إلى العبارات الفضفاضة؛ فليس من العلم في شيء.
رابعًا: الحرص على الإيجاز في الكلام والاقتصار على القليل النافع:
وكما أنّ قِصَر الخطبة مَئِنَّةٌ من فقه الخطيب، فكذلك التطويل والمبالغة في التكرار والإسهاب من غير حاجة مَظنَّةُ جَهْلِه. وإذا كان أعظمُ خطيبٍ لا يُمَلُّ حديثُهُ - صلى الله عليه وسلم - يلتزم بالإيجاز وهو يخاطب أحرصَ الناسِ على استماعِه ممن يستزيدون ولا يضجرون فيخاف عليهم السآمة؛ فغيرهم من باب أولى.
ولا شكّ أنّ تجاهل السُّنّةِ في ذلك مَدْعاةٌ إلى إملالِ الناسِ وتشويشِ أذهانهم من ناحيةٍ، وسببٌ في الوقوع في الأخطاء والسّفسطة وخروج الخطيب عن المقصود واشتغال السامع بما لا ينفعه ولا يعنيه من ناحية أخرى.