فهرس الكتاب
ولله در ابن مسعود - رضي الله عنه - ما كان أفقهَهُ! - فقد التزم بهذين الأدبين في قولِهِ وفعلِهِ: كما أخرج البخاري في كتاب العلم [باب ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخوّلهم بالموعظة والعلم؛ كي لا ينفروا] حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخوّلنا بالموعظة بالأيام كراهةَ السآمةِ علينا) ، وباب [من جعل لأهل العلم أيامًا معلومةً] ذكر فيه حديث أبي وائل قال:"كان عبد الله يذكّر الناس في كل خميسٍ فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددتُ أنك ذكّرتَنا كلَّ يومٍ قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أُمِلَّكُمْ، وإني أتخوّلكم بالموعظة كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخوّلنا بها مخافةَ السآمةِ علينا". ورحم الله البخاريَّ فقد ذكر هذين البابَيْنِ بين ترجمتَيْنِ بَدِيعَتَيْنِ: هما (باب العلم قبل القول والعمل) و (باب من يُرِد الله به خيرًا يفقهه في الدين) ولا يخفى ما بين ذلك من المناسبة!
خامسًا: إظهارُ الشفقةِ ورقةِ النفسِ وإخلاصِ النّصحِ:
فليست النائحة الثكلى كالمستأجَرَة! وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحرص على هداية كفار قريش مع أنهم ساموه سوء العذاب؛ حتى خاطبه ربّه بقوله - سبحانه: {لعلّك باخعٌ نفسَك ألا يكونوا مؤمنين} ، [سورة الشعراء3] وقال - عز وجل: {فلعلّك باخعٌ نفسَك على ءاثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} ، [سورة الكهف6] وقال جل جلالُه: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} . [سورة فاطر8] .
سادسًا: مراعاة مقتضى الحال من ذكر المسائل المناسبة للسّامعين من حيث اهتمامُهم بهذه القضايا وتأثرُهم بطريقة عرضها:
فليس خطاب العلماء كخطاب العامة، وليس خطاب الرجال كخطاب النساء، وليس خطاب الشِّيب كخطاب الشباب. وهذا يجمع لك ما تفرّق في تراجم البخاري في كتاب العلم [باب من خصّ بالعلم قومًا دون قومٍ كراهيةَ أن لا يفقهوا] ، و [باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهمُ بعض الناس عنه؛ فيقعوا في أشدَّ منه] ، وباب [من أجاب السائلَ بأكثرَ مما سأله] . ورحم الله ابن عباس رضي الله عنهما؛ فقد منع عمر - رضي الله عنه - في خلافته من الكلام في الأمور الدقيقة بعيدًا عن العُصبة الداعية والبيئة الواعية بالمدينة.
سابعًا: الاعتناء بشأن الموعظة وإعداد العُدّة لها:
حتى تكون من الذكرى التي تنفع المؤمنين؛ فإنّ من جهل الخطيب أن يتهاونَ في شأن إعداد الخطبة؛ تعويلًا على أنّ الناس غيرُ مميِّزين للصالح من الطالح؛ فإنّ هذا من الظنّ الكاذب، والسامع ينقد بعقله ويغربل بأذنه ويُنكر بقلبه؛ ولهذا ترى كبار العلماء يتهيّبون أن يخاطبوا الناس عفو الخاطر إلا لضرورة، وتجدهم يعدّون الدروس ويراجعون المسائل.
ثامنًا: التواضع وإشعار السامعين بأنك تذكّر نفسَك وتذكّرهم معك:
فلست تزكّي نفسَك أو تتشبّع بما ليس عندك، بل تتمثل قولَ إبراهيم التيمي:"ما عرضتُ قولي على عملي إلا خشيتُ أن أكون مُكَذَّبًا"علّقه البخاري في كتاب الإيمان [باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر] قال ابن حجر:"يعني خشيتُ أن يكذّبني من رأى عملي مخالفًا لقولي فيقول: لو كنتَ صادقًا ما فعلتَ خلافا لما تقول؛ وإنما قال ذلك لأنه كان يعظ الناس. ويُروى بكسر الذال وهي رواية الأكثر، ومعناه أنه مع وعظِهِ الناسَ لم يبلغْ غايةَ العمل وقد ذمّ الله من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقصّر في العمل فقال: {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} ؛ [سورة الصف3] فخشي أن يكون مكذِّبا أي مشابها للمكذبين" [3] .
وما أحسن استحضار الخطيبِ أنّ التذكرةَ أمانةٌ يُؤدِّيها من باب"أعْطِ القوس باريها".
تاسعًا: توعية الناس بقضايا المسلمين:
وغرس هموم الدعوة في قلوبهم، ومخاطبتهم بمفاهيم الإسلام فيما يعرض لهم في حياتهم كلها. كما قال الله - تعالى: {قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين} . [سورة الأنعام 162] وإنك إذا تركتَ الناس وهمومهم التي تقضّ مضاجعهم، ولم تَهْدِهم بنور القرآن والسنة في حيرتهم، وطفقت تحدّثهم بمباحث عسيرة تستعصي على أفهامهم مثل: مفهوم المخالفة والموافقة؛ كانوا أقرب إلى مخالفتك منهم إلى الموافقة، وإذا استرسلتَ في ذكر اصطلاحات العلوم: مثل مسائل الغريب والمنكر والشاذ؛ جعلوا كلامك من ذلك القبيل، وإذا تماديت في موازين الصّرف والإعراب والبناء؛ اعتبروك من الأعراب الحفاة العراة العالة رِعاء الشاء!
عاشرًا: الحرص على جمع كلمة المسلمين:
وحثّهم على التعاون على البر والتقوى، والحذر من الإسراف في إثارة القضايا الخلافيّة، والتنابز بالألقاب، والوقوع في العلماء؛ [4] فإنّ"لحومهم مسمومة"؛ ورُبّ كلمةٍ يقولها المرءُ لا يُلقي لها بالًا تهوي به في جهنّم سبعين خريفا. وهذه المساجد بيوتُ الله التي أذن الله أن تُرفَعَ ويُذكَرَ فيها اسمُهُ؛ فلا يجوز أن تُتّخذ منبرًا للعصبيّات، أو مفرِّقًا للجماعات، كما قال الله - تعالى: {وأنّ المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا} . والحذر من الوقوع في تضليل الناس وتبديعهم بغير وجه حق، بل جهلًا وتعنّتًا وتعصُّبًا مذهبيًا.
ووالله لو فقه الخطباءُ أهميةَ الموعظةِ الحسنةِ، وأدركوا بركةَ الذّكرى النافعة للمؤمنين، وجمعوا للأمر عُدَّته؛ لعاد للمسلمين مجدُهم وعزُّهم. وصدق الله العظيم: {إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم} [الرعد 11] .
[1] المرجع السابق 4/301.
[2] جامع العلوم الحكم ص 348.
[3] فتح الباري 1/152. وذكر أنّ الحديث وصله البخاري في تاريخه وأحمد في الزهد.