الصفحة 310 من 3812

ذلك ليعلم أصحاب الدعوة إلى الله أن المعركة مع الطواغيت مفروضة عليهم فرضًا , وأنه لا يجديهم فتيلًا أن يتقوها ويتجنبوها . فالطواغيت لن تتركهم إلا أن يتركوا دينهم كلية , ويعودوا إلى ملة الطواغيت بعد إذ نجاهم الله منها . وقد نجاهم الله منها بمجرد أن خلعت قلوبهم عنها العبودية للطواغيت ودانت بالعبودية لله وحده . . فلا مفر من خوض المعركة , والصبر عليها , وانتظار فتح الله بعد المفاصلة فيها ; وأن يقولوا مع شعيب:

(على الله توكلنا . ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) . . ثم تجري سنة الله بما جرت به كل مرة على مدار التاريخ . .

ونكتفي بهذه المعالم في طريق القصص القرآني , حتى نستعرض النصوص بالتفصيل:

إن موكب الإيمان الذي يسير في مقدمته رسل الله الكرام , مسبوق في السياق بموكب الإيمان في الكون كله . في الفقرة السابقة مباشرة: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام , ثم استوى على العرش , يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا , والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره , ألا له الخلق والأمر , تبارك الله رب العالمين) . .

وإن الدينونة لهذا الإله , الذي خلق السماوات والأرض , والذي استوى على العرش , والذي يحرك الليل ليطلب النهار , والذي تجري الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره , والذي له الخلق والأمر . إن الدينونة لهذا الإله وحده هي التي يدعو إليها الرسل كافة . هي التي يدعون إليها البشرية كلها , كلما قعد لها الشيطان على صراط الله فأضلها عنه ; وردها إلى الجاهلية التي تتبدى في صور شتى ; ولكنها كلها تتسم بإشراك غير الله معه في الربوبية .

والمنهج القرآني يكثر من الربط بين عبودية هذا الكون لله , ودعوة البشر إلى الاتساق مع الكون الذي يعيشون فيه ; والإسلام لله الذي أسلم له الكون كله ; والذي يتحرك مسخرًا بأمره . ذلك أن هذا الإيقاع بهذه الحقيقة الكونية كفيل بأن يهز القلب البشري هزًا ; وأن يستحثه من داخله على أن ينخرط في سلك العبادة المستسلمة ; فلا يكون هو وحده نشازًا في نظام الوجود كله !

إن الرسل الكرام لا يدعون البشرية لأمر شاذ ; إنما يدعونها إلى الأصل الذي يقوم عليه الوجود كله ; وإلى الحقيقة المركوزة في ضمير هذا الوجود . . وهي ذاتها الحقيقة المركوزة في فطرة البشر ; والتي تهتف بها فطرتهم حين لا تلوي بها الشهوات , ولا يقودها الشيطان بعيدًا عن حقيقتها الأصيلة . .

وهذه هي اللمسة المستفادة من تتابع السياق القرآني في السورة على النحو الذي تتابع به . (1)

طبيعة بني إسرائيل عبر التاريخ

ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلًا ; عاشوا في ظل الإرهاب ; وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك . عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم . فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي , عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال .

وفسدت نفوسهم ; وفسدت طبيعتهم ; والتوت فطرتهم ; وانحرفت تصوراتهم ; وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب , وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر . . وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلًا للإرهاب والطغيان . .

لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله , فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ; وهو يقول لعماله على الأمصار موصيًا لهم بالناس:"ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم". . كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس . وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله . فالناس في مملكة الله أعزاء , ويجب أن يكونوا أعزاء ; وألا يضربهم الحكام فيذلوهم , لأنهم ليسوا عبيدًا للحكام . . إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله . .

ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا . بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ; ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني . . ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام , يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر . . فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهرًا على ظهر ناقة , ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر , وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم , فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ; وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح .

عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس , وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ; وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ; وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 185)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت