الصفحة 311 من 3812

وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ; وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا , حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا , وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !

وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة , يواجه نفوسًا طال عليها الأمد , وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها , ثم طال عليها الأمد , فبهتت صورتها , وعادت شكلا لا روح فيه !

إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف . ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفًا كذلك . . يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات , وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ; ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة , والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !

ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة , في هذه الصورة المفصلة المكررة . لترى فيها هذه التجربة . كما قلنا من قبل . ولعل فيها زادًا لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل . (1)

القرآن الكريم يخاطب الناس في كل جيل

إن امتداد الحياة عن طريق الزوجية والنسل ليقوم شاهدًا يهتف لكل قلب وكل عقل بتدبير الخالق الواحد المدبر . . وإلا فمن ذا الذي يضمن للحياة وجود الذكر والأنثى دائمًا في نسلها بالمقادير التي يتم بها هذا التزاوج ? لماذا لا يأتي زمن على الحياة تنسل ذكورًا فقط أو إناثًا فقط . . ولو حدث هذا لا نقطع النسل عند هذا الجيل . . فمن ذا الذي يمسك بعجلة التوازن دائما في الأجيال جميعًا ?

إن التوازن ملحوظ في ملكوت السماوات والأرض جميعًا -لا في هذه الظاهرة الحيوية وحدها - إنه ملحوظ في بناء الذرة كما هو ملحوظ في بناء المجرة ! وملحوظ في التوازن بين الأحياء وبين الأشياء سواء . . ولو اختل هذا التوازن شعرة ما ظل هذا الكون قائمًا لحظة ! فمن الذي يمسك بعجلة التوازن الكبرى في السماوات والأرض جميعًا ?

وعرب الجزيرة الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن أول مرة ما كانوا يدركون بعلومهم مدى هذا التوازن والتناسق في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء . . ولكن الفطرة الإنسانية بذاتها تلتقي مع هذا الكون في أعماقها ; وتتجاوب معه بلغة غير منطوقة إلا في هذه الأعماق . ويكفي أن ينظر الإنسان بالقلب المفتوح والعين المبصرة إلى هذا الكون حتى يتلقى إيقاعاته وإيحاءاته تلقيًا موحيًا هاديًا .

ولقد اهتدى الإنسان بفطرته - وهو يتلقى إيقاعات هذا الوجود في حسه - إلى أن له إلهًا . ولم تغب عن حسه قط هذه الحقيقة . إنما كان يخطىء في تحديد صفة الإله الحق , حتى تهديه الرسالات إلى الرؤية الصحيحة . . فأما الملحدون الجدد - أصحاب"الاشتراكية العلمية"! - فهم أمساخ شائهو الفطرة . بل إنهم إنما ينكرون الفطرة , ويعاندون ما يجدونه في أنفسهم من إلحاحها . . وعندما صعد أحدهم إلى الفضاء الجوي , ورأى ذلك المشهد الباهر - مشهد الأرض كرة معلقة في الفضاء - هتفت فطرته:ما الذي يمسكها هكذا في الفضاء ? ولكنه حين هبط إلى الأرض , وتذكر إرهاب الدولة , قال:إنه لم يجد الله هناك ! وكتم إلحاح فطرته وصراخها في أعماقه , أمام شيء من ملكوت السماوات والأرض !

إن الله الذي يخاطب الإنسان بهذا القرآن لهو الذي خلق هذا الإنسان , والذي يعلم فطرة هذا الإنسان !

وأخيرًا يلمس قلوبهم بطائف الموت الذي قد يكون مخبأ لهم - من قريب - في عالم المجهول المغيب ; وهم عنه غافلون: (وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم) . .

فما يدريهم أن أجلهم قريب ? وما يبقيهم في غفلتهم سادرين ; وهم عن غيب الله محجوبون ? وهم في قبضته لا يفلتون ?

إن هذه اللمسة بالأجل المغيب - الذي قد يكون قد اقترب - لتهز القلب البشري هزة عميقة ! لعله أنيستيقظ ويتفتح ويرى . والله منزل هذا القرآن وخالق هذا الإنسان يعلم أن هذه اللمسة لا تبقي قلبًا غافلًا . . ولكن بعض القلوب قد يعاند بعد ذلك ويكابر !

(فبأي حديث بعده يؤمنون ?) !

وما بعد هذا الحديث من حديث تهتز له القلوب أو تلين . .

إن هذه اللمسات التي تعددت في الآية الواحدة ; لتكشف لنا عن منهج هذا القرآن في خطاب الكينونة البشرية . . إنه لا يدع جانبًا واحدًا منها لا يخاطبه , ولا يدع وترًا منها واحدًا لا يوقع عليه ; إنه لا يخاطب الذهن ولكنه لا يهمله ; ففي الطريق - وهو يهز الكيان البشري كله - يلمسه ويوقظه . إنه لا يسلك إليه طريق الجدل البارد , ولكنه يستحييه لينظر ويتفكر وحرارة الحياة تسري فيه وتيارها الدافق . . وهكذا ينبغي أن يتجه منهج الدعوة إلى الله دائمًا . . فالإنسان هو الإنسان لم يتبدل خلقًا آخر . والقرآن هو القرآن كلام الله الباقي , وخطاب الله لهذا الإنسان الذي لا يتغير . . مهما تعلم ومهما"تطور !" (2) . .

الاعتصام بالله وتحدي الكفار

وفي نهاية هذه المحاجة يوجه الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم:أن يتحداهم ويتحدى آلهتهم العاجزة - كلها - وأن يعلن عن عقيدته الناصعة في تولي الله - وحده - له:

(قل:ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون . إن وليي الله الذي نزل الكتاب , وهو يتولى الصالحين . والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون . . وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا , وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) . .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 193)

(2) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 199)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت