الصفحة 312 من 3812

إنها كلمة صاحب الدعوة , في وجه الجاهلية . . ولقد قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أمره ربه ; وتحدى بها المشركين في زمانه وآلهتهم المدعاة:

(قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون) . .

لقد قذف في وجوههم ووجوه آلهتهم المدعاة بهذا التحدي . . وقال لهم:ألا يألوا جهدًا في جمع كيدهم وكيد آلهتهم ; بلا إمهال ولا إنظار ! وقالها في لهجة الواثق المطمئن إلى السند الذي يرتكن إليه , ويحتمي به من كيدهم جميعًا:

(إن وليي الله , الذي نزل الكتاب , وهو يتولى الصالحين) . .

فأعلن بها عمن إليه يرتكن . إنه يرتكن إلى الله . . الذي نزل الكتاب . . فدل بتنزيله على إرادته - سبحانه - في أن يواجه رسوله الناس بالحق الذي فيه ; كما قدر أن يعلي هذا الحق على باطل المبطلين . . وأن يحمي عباده الصالحين الذين يبلغونه ويحملونه ويثقون فيه .

وإنها لكلمة صاحب الدعوة إلى الله - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - في كل مكان وفي كل زمان:

(قل:ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون) . . (إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) .

إنه لا بد لصاحب الدعوة إلى الله أن يتجرد من أسناد الأرض ; وأن يستهين كذلك بأسناد الأرض . .

إنها في ذاتها واهية واهنة , مهما بدت قوية قادرة: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له:إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له , وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه . ضعف الطالب والمطلوب !) . . (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا , وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون !) . .

وصاحب الدعوة إلى الله يرتكن إلى الله . فما هذه الأولياء والأسناد الأخرى إذن ? وماذا تساوي في حسه ; حتى لو قدرت على أذاه ?!إنما تقدر على أذاه بإذن ربه الذي يتولاها . لا عجزًا من ربه عن حمايته من أذاها _ سبحانه وتعالى _ ولا تخليًا منه سبحانه عن نصرة أوليائه . . ولكن ابتلاء لعباده الصالحين للتربية والتمحيص والتدريب . واستدراجًا لعباده الطالحين للإعذار والإمهال والكيد المتين !

لقد كان أبو بكر - رضي الله عنه - يردد , والمشركون يتناولونه بالأذى ; ويضربون وجهه الكريم بالنعال المخصوفة يحرفونها إلى عينيه ووجهه , حتى تركوه وما يعرف له فم من عين ! . . كان يردد طوال هذا الاعتداء المنكر الفاجر على أكرم من أقلت الأرض بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم:"رب ما أحلمك ! رب ما أحلمك ! رب ما أحلمك ! . . ."كان يعرف في قراره نفسه ما وراء هذا الأذى من حلم ربه ! لقد كان واثقًا أن ربه لا يعجز عن التدمير على أعدائه ; كما كان واثقًا أن ربه لا يتخلى عن أوليائه !

ولقد كان عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يقول , وقد تناوله المشركون بالأذى - لأنه أسمعهم القرآن في ناديهم إلى جوار الكعبة - حتى تركوه وهو يترنح لا يصلب قامته ! . . كان يقول بعد هذا الأذى المنكر الفاجر الذي ناله:"والله ما كانوا أهون عليّ منهم حينذاك !". . كان يعرف أنهم يحادون الله - سبحانه - وكان يستيقن أن الذي يحاد الله مغلوب هين على الله . فينبغي أن يكون مهينًا عند أولياء الله .

ولقد كان عبد الله بن مظعون - رضي الله عنه - يقول , وقد خرج من جوار عتبة بن ربيعة المشرك , لأنه لم يستسغ لنفسه أن يحتمي بجوار مشرك فكيف عنه الأذى , وإخوان له في الله يؤذون في سبيل الله . وقد تجمع عليه المشركون - بعد خروجه من جوار عتبة - فآذوه حتى خسروا عينه . . كان يقول لعتبة وهو يراه في هذه الحال فيدعوه أن يعود إلى جواره:"لأنا في جوار من هو أعز منك !". . وكان يرد على عتبة إذ قال له:"يا ابن أخي لقد كانت عينك في غنى عمَّا أصابها !". . يقول:"لا والله . وللأخرى أحق لما يصلحها في سبيل الله !". . كان يعلم أن جوار ربه أعز من جوار العبيد . وكان يستيقن أن ربه لا يتخلى عنه , ولو تركه يؤذى في سبيله هذا الأذى لترتفع نفسه إلى هذا الأفق العجيب:"لا والله . وللأخرى أحق لما يصلحها في سبيل الله". .

هذه نماذج من ذلك الجيل السامق الذي تربى بالقرآن في حجر محمد صلى الله عليه وسلم في ظلال ذلك التوجيه الرباني الكريم:

(قل:ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون . إن وليي الله الذي نزل الكتاب , وهو يتولى الصالحين) . .

ثم ماذا كان بعد هذا الأذى الذي احتملوه من كيد المشركين . وهذا الاعتصام بالله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ?

كان ما يعرفه التاريخ ! كانت الغلبة والعزة والتمكين لأولياء الله . وكانت الهزيمة والهوان والدثور للطواغيت الذين قتلهم الصالحون . وكانت التبعية ممن بقي منهم - ممن شرح الله صدره للإسلام - لهؤلاء السابقين , الذين احتملوا الأذى بثقة في الله لا تتزعزع , وبعزمة في الله لا تلين !

إن صاحب الدعوة إلى الله - في كل زمان وفي كل مكان - لن يبلغ شيئًا إلا بمثل هذه الثقة , وإلا بمثل هذه العزمة , وإلا بمثل ذلك اليقين:

(إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) . .

لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحدى المشركين . فتحداهم . وأمر أن يبين لهم عجز آلهتهم وسخف الشرك بها فبين لهم:

(والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون) . .

(وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا , وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) . .

وإذا كان هذا التقرير ينطبق على آلهة الوثنية الساذجة في جاهلية العرب القديمة . . فإنه ينطبق كذلك على كل الآلهة المدعاة في الجاهلية الحديثة . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت