وهذه الحقيقة لم يكن مجالها فقط هو الدعوة النبوية في أوساط المشركين . . إن مجالها هو مجال هذه الدعوة كلما عادت الجاهلية فغلبت على حياة الناس . . وجاهلية القرن العشرين لا تختلف في مقوماتها الأصيلة , وفي ملامحها المميزة عن كل جاهلية أخرى واجهتها الدعوة الإسلامية على مدار التاريخ !
والذين يظنون أنهم يصلون إلى شيء عن طريق التميع في المجتمع الجاهلي والأوضاع الجاهلية , والتدسس الناعم من خلال تلك المجتمعات ومن خلال هذه الأوضاع بالدعوة إلى الإسلام . . هؤلاء لا يدركون طبيعة هذه العقيدة ولا كيف ينبغي أن تطرق القلوب ! . . إن أصحاب المذاهب الإلحادية أنفسهم يكشفون عن عنوانهم وواجهتهم ووجهتهم ! أفلا يعلن أصحاب الدعوة إلى الإسلام عن عنوانهم الخاص ? وطريقهم الخاص ? وسبيلهم التي تفترق تماما عن سبيل الجاهلية (1)
سنة الله في الدعوات والهدف من القصص القرآني ?
ثم لفتة إلى سنة الله في رسالاته , وإلى بعض آيات الله في الأرض من مصائر السابقين . . إن محمدا ليس بدعا من الرسل , ورسالته ليست بدعا من الرسالات . وهذه عواقب الذين كذبوا من قبل , آيات معروضة في الأرض .
(وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى . أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم , ولدار الآخرة خير للذين اتقوا , أفلا تعقلون ?) .
إن النظر في آثار الغابرين يهز القلوب . حتى قلوب المتجبرين . ولحظات الاسترجاع الخيالي لحركاتهم وسكناتهم وخلجاتهم ; وتصورهم أحياء يروحون في هذه الأمكنة ويجيئون , يخافون ويرجون , يطمعون ويتطلعون . . ثم إذا هم ساكنون , لا حس ولا حركة . آثارهم خاوية , طواهم الفناء وانطوت معهم مشاعرهم وعوالمهم وأفكارهم وحركاتهم وسكناتهم , ودنياهم الماثلة للعيان والمستكنة في الضمائر والمشاعر . . إن هذه التأملات لتهز القلب البشري هزا مهما يكن جاسيا غافلا قاسيا . ومن ثم يأخذ القرآن بيد القوم ليوقفهم على مصارع الغابرين بين الحين والحين:
(وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى) . .
لم يكونوا ملائكة ولا خلقا آخر . إنما كانوا بشرا مثلك من أهل الحاضرة , لا من أهل البادية , ليكونوا أرق حاشية وألين جانبا . . وأصبر على احتمال تكاليف الدعوة والهداية , فرسالتك ماضية على سنة الله في إرسال رجال من البشر نوحي إليهم . .
(أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ?) . .
فيدركوا أن مصيرهم كمصيرهم ; وأن سنة الله الواضحة الآثار في آثار الغابرين ستنالهم , وأن عاقبتهم في هذه الأرض إلى ذهاب:
ولدار الآخرة خير للذين اتقوا .
خير من هذه الدار التي ليس فيها قرار .
(أفلا تعقلون ?) . .
فتتدبروا سنن الله في الغابرين ? أفلا تعقلون فتؤثروا المتاع الباقي على المتاع القصير ?
ثم يصور ساعات الحرج القاسية في حياة الرسل , قبيل اللحظة الحاسمة التي يتحقق فيها وعد الله , وتمضي فيها سنته التي لا تتخلف ولا تحيد:
(حتى إذا استيأس الرسل , وظنوا أنهم قد كذبوا , جاءهم نصرنا , فنجي من نشاء , ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) .
إنها صورة رهيبة , ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل , وهم يواجهون الكفر والعمى والإصرار والجحود . وتمر الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم إلا قليل , وتكر الأعوام والباطل في قوته , وكثرة أهله , والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة .
إنها ساعات حرجة , والباطل ينتفش ويطغى ويبطش ويغدر . والرسل ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم في هذه الأرض . فتهجس في خواطرهم الهواجس . . تراهم كذبوا ? ترى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا ?
وما يقف الرسول هذا الموقف إلا وقد بلغ الكرب والحرج والضيق فوق ما يطيقه بشر . وما قرأت هذه الآية والآية الأخرى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه:متى نصر الله ? . . .) ما قرأت هذه الآية أو تلك إلا وشعرت بقشعريرة من تصور الهول الذي يبلغ بالرسول هذا المبلغ , ومن تصور الهول الكامن في هذه الهواجس , والكرب المزلزل الذي يرج نفس الرسول هذه الرجة , وحالته النفسية في مثل هذه اللحظات , وما يحس به من ألم لا يطاق .
في هذه اللحظة التي يستحكم فيها الكرب , ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل , ولا تبقى ذرة من الطاقة المدخرة . . في هذه اللحظة يجيء النصر كاملا حاسما فاصلا:
(جاءهم نصرنا , فنجي من نشاء , ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) . .
تلك سنة الله في الدعوات . لا بد من الشدائد , ولا بد من الكروب , حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة . ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس . يجيء النصر من عند الله , فينجو الذين يستحقون النجاة , ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين , وينجون من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون . ويحل بأس الله بالمجرمين , مدمرا ماحقا لا يقفون له , ولا يصده عنهم ولي ولا نصير .
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 281)