الصفحة 326 من 3812

ذلك كي لا يكون النصر رخيصا فتكون الدعوات هزلا . فلو كان النصر رخيصا لقام في كل يوم دعي بدعوة لا تكلفه شيئا . أو تكلفه القليل . ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثا ولا لعبا . فإنما هي قواعد للحياة البشرية ومناهج , ينبغي صيانتها وحراستها من الأدعياء . والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة , لذلك يشفقون أن يدعوها , فإذا ادعوها عجزوا عن حملها وطرحوها , وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد التي لا يصمد لها إلا الواثقون الصادقون ; الذين لا يتخلون عن دعوة الله , ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة !

إن الدعوة إلى الله ليست تجارة قصيرة الأجل ; إما أن تربح ربحا معينا محددا في هذه الأرض , وإما أن يتخلى عنها أصحابها إلى تجارة أخرى أقرب ربحا وأيسر حصيلة ! والذي ينهض بالدعوة إلى الله في المجتمعات الجاهلية - والمجتمعات الجاهلية هي التي تدين لغير الله بالطاعة والاتباع في أي زمان أو مكان - يجب أن يوطن نفسه على أنه لا يقوم برحلة مريحة , ولا يقوم بتجارة مادية قريبة الأجل ! إنما ينبغي له أن يستيقن أنه يواجه طواغيت يملكون القوة والمال ويملكون استخفاف الجماهير حتى ترى الأسود أبيض والأبيض أسود ! ويملكون تأليب هذه الجماهير ذاتها على أصحاب الدعوة إلى الله , باستثارة شهواتها وتهديدها بأن أصحاب الدعوة إلى الله يريدون حرمانها من هذه الشهوات ! . . ويجب أن يستيقنوا أن الدعوة إلى الله كثيرة التكاليف , وأن الانضمام إليها في وجه المقاومة الجاهلية كثير التكاليف أيضا . وأنه من ثم لا تنضم إليها - في أول الأمر - الجماهير المستضعفة , إنما تنضم إليها الصفوة المختارة في الجيل كله , التي تؤثر حقيقة هذا الدين على الراحة والسلامة , وعلى كل متاع هذه الحياة الدنيا . وأن عدد هذه الصفوة يكون دائما قليلا جدا .

ولكن الله يفتح بينهم وبين قومهم بالحق , بعد جهاد يطول أو يقصر . وعندئذ فقط تدخل الجماهير في دين الله أفواجا .

وفي قصة يوسف ألوان من الشدائد . في الجب وفي بيت العزيز وفي السجن . وألوان من الاستيئاس من نصرة الناس . . ثم كانت العاقبة خيرا للذين اتقوا - كما هو وعد الله الصادق الذي لا يخيب - وقصة يوسف نموذج من قصص المرسلين . فيها عبرة لمن يعقل , وفيها تصديق ما جاءت به الكتب المنزلة من قبل , على غير صلة بين محمد وهذه الكتب . فما كان يمكن أن يكون ما جاء به حديثا مفترى . فالأكاذيب لا يصدق بعضها بعضا ولا تحقق هداية , ولا يستروح فيها القلب المؤمن الروح والرحمة:

(لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب , ما كان حديثا يفترى , ولكن تصديق الذي بين يديه , وتفصيل كل شيء , وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) . . (1)

طبيعة المواجهة بين الرسل والمشركين

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46) [يونس/46]

وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43)

وهكذا نلمس في هذه الطائفة من الآيات التي أوردناها طبيعة المواجهة التي كان المشركون يتحدون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتحدون بها هذا القرآن ; ثم دلالة هذا التحدي ودلالة التوجيه الرباني إزاءه على طبيعة الفترة التي نزلت فيها السورة من العهد المكي .

ومن اللمحات البارزة في التوجيه الرباني الرباني لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجهر - في مواجهة الأعراض والتكذيب والتحدي وبطء الاستجابة ووعورة الطريق - بالحق الذي معه كاملا ; وهو أنه لا إله إلا الله , ولا رب إلا الله , ولا معبود إلا الله , وأن الله هو الواحد القهار , وأن الناس مردودون إليه فإما إلى جنة وإما إلى نار . . وهي مجموعة الحقائق التي كان ينكرها المشركون ويتحدونه فيها . . وألا يتبع أهواءهم فيصانعها ويترضاها بكتمان شيء من هذا الحق أو تأجيل إعلانه ! مع تهديده بما ينتظره من الله لو اتبع أهواءهم في شيء من هذا من بعد ما جاءه من العلم ! . .

وهذه اللمحة البارزة تكشف لأصحاب الدعوة إلى الله عن طبيعة منهج هذه الدعوة التي لا يجوز لهم الاجتهاد فيها ! وهي أن عليهم أن يجهروا بالحقائق الأساسية في هذا الدين , وألا يخفوا منها شيئا , وألا يؤجلوا منها شيئا . . وفي مقدمة هذه الحقائق:أنه لا ألوهية ولا ربوبية إلا الله . ومن ثم فلا دينونة ولا طاعة ولا خضوع ولا اتباع إلا لله . . فهذه الحقيقة الأساسية يجب أن تعلن أيا كانت المعارضة والتحدي ; وأيا كان الإعراض من المكذبين والتولي ; وأيا كانت وعورة الطريق وأخطارها كذلك . . وليس من"الحكمة والموعظة الحسنة"إخفاء جانب من هذه الحقيقة أو تأجيله , لأن الطواغيت في الأرض يكرهونه أو يؤذون الذين يعلنونه ! أو يعرضون بسببه عن هذا الدين , أو يكيدون له وللدعاة إليه ! فهذا كله لا يجوز أن يجعل الدعاة إلى هذا الدين يكتمون شيئا من حقائقه الأساسية أو يؤجلونه ; ولا أن يبدأوا مثلا من الشعائر والأخلاق والسلوك والتهذيب الروحي , متجنبين غضب طواغيت الأرض لو بدأوا من إعلان وحدانية الألوهية والربوبية , ومن ثم توحيد الدينونة والطاعة والخضوع والاتباع لله وحده !

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 281)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت