الصفحة 327 من 3812

إن هذا لهو منهج الحركة بهذه العقيدة كما أراده الله سبحانه ; ومنهج الدعوة إلى الله كما سار بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بتوجيه من ربه . . فليس لداع إلى الله أن يتنكب هذا الطريق ; وليس له أن ينهج غير ذلك المنهج . . والله - بعد ذلك - متكفل بدينه , وهو حسب الدعاة إلى هذا الدين وكافيهم شر الطواغيت !

والمنهج القرآني في الدعوة يجمع بين الحديث عن كتاب الله المتلو - وهو هذا القرآن - وبين كتاب الكون المفتوح ; ويجعل الكون بجملته مصدر إيحاء للكينونة البشرية ; بما فيه من دلائل شاهدة بسلطان الله وتقديره وتدبيره . كما يضم إلى هذين الكتابين سجل التاريخ البشري , وما يحفظه من دلائل ناطقة بالسلطان والتقدير والتدبير أيضا . ويواجه الكينونة البشرية بهذا كله ويأخذ عليها أقطارها جميعا ; وهو يخاطب حسها وقلبها وعقلها جميعا ! (1)

قصة الرسل مع الجاهلية

قصة الرسل مع الجاهلية . وهي الحقائق التي أشرنا إليها إشارات سريعة في أثناء استعراض السياق القرآني , ونرى أنها تحتاج إلى وقفات أخرى أمامها مسقلة:

إننا نقف من هذه القصة على حقيقة أولية بارزة يقصها علينا الحكيم الخبير . . إن موكب الإيمان منذ فجر التاريخ الإنساني موكب واحد موصول , يقوده رسل الله الكرام , داعين بحقيقة واحدة , جاهرين بدعوة واحدة , سائرين على منهج واحد . . كلهم يدعو إلى ألوهية واحدة , وربوبية واحدة ; وكلهم لا يدعون مع الله أحدا , ولا يتوكل على أحد غيره , ولا يلجأ إلى ملجأ سواه , ولا يعرف له سندا إلا إياه .

وأمر الاعتقاد في الله الواحد - إذن - ليس كما يزعم"علماء الدين المقارن"أنه تطور وترقي من التعديد إلى التثنية إلى التوحيد ; ومن عبادة الطواطم والأرواح والنجوم والكواكب إلى عبادة الله الواحد ; وأنه تطور وترقى كذلك بتطور وترقي التجربة البشرية والعلم البشري , وبتطور وترقي الأنظمة السياسية وانتهائها إلى الأوضاع الموحدة تحت سلطان واحد . . .

إن الاعتقاد في الله الواحد جاءت به الرسالات منذ فجر التاريخ ; ولم تتغير هذه الحقيقة ولم تتبدل في رسالة واحدة من الرسالات ; ولا في دين واحد من الأديان السماوية . كما يقص علينا الحكيم الخبير .

ولو قال أولئك"العلماء":إن قابلية البشرية لعقيدة التوحيد التي جاء بها الرسل كانت تترقى من عهد رسول إلى عهد رسول ; وإن الوثنيات الجاهلية كانت تتأثر بعقائد التوحيد المتوالية التي كان موكب الرسل الكرام يواجه بها هذه الوثنيات حينا بعد حين . حتى جاء زمان كانت عقيدة التوحيد أكثر قبولا لدى جماهير الناس مما كانت , بفعل توالي رسالات التوحيد ; وبفعل العوامل الأخرى التي يفردونها بالتأثير . . . لو قال أولئك"العلماء"قولا كهذا لساغ . . ولكنهم إنما يتأثرون بمنهج في البحث يقوم ابتداء على قاعدة من العداء الدفين القديم للكنيسة في أوربا - حتى ولو لم يلحظه العلماء المعاصرون ! - ومن الرغبة الخفية - الواعية أو غير الواعية - في تحطيم المنهج الديني في التفكير ; وإثبات أن الدين لم يكن قط وحيا من عند الله ; إنما كان اجتهادا من البشر , ينطبق عليه ما ينطبق على تطورهم في التفكير والتجربة والمعرفة العلمية سواء بسواء . . ومن ذلك العداء القديم ومن هذه الرغبة الخفية ينبثق منهج علم الأديان المقارن ; ويسمى مع ذلك"علما"ينخدع به الكثيرون !

وإذا جاز أن يخدع أحد بمثل هذا"العلم"فإنه لا ينبغي لمسلم يؤمن بدينه , ويخترم منهج هذا الدين في تقرير مثل هذه الحقيقة أن يخدع لحظة واحدة ; وأن يدلي بقول يصطدم اصطداما مباشرا مع مقررات دينه , ومع منهجه الواضح في هذا الشأن الخطير . .

هذا الموكب الكريم من الرسل واجه البشرية الضالة - إذن - بدعوة واحدة , وعقيدة واحدة . وكذلك واجهت الجاهلية ذلك الموكب الكريم , وهذه الدعوة الواحدة بالعقيدة الواحدة , مواجهة واحدة - كما يعرضها السياق القرآني مغضيا عن الزمان والمكان , مبرزا للحقيقة الواحدة الموصولة من وراء الزمان والمكان - وكما أن دعوة الرسل لم تتبدل , فكذلك مواجهة الجاهلية لم تتبدل !

إنها حقيقة تستوقف النظر حقا ! . . إن الجاهلية هي الجاهلية على مدار الزمان . . إن الجاهلية ليست فترة تاريخية ; ولكنها وضع اعتقاد وتصور وتجمع عضوي على أساس هذه المقومات . .

والجاهلية تقوم ابتداء على أساس من دينونة العباد للعباد ; ومن تأليه غير الله . أو من ربوبية غير الله - وكلاهما سواء في إنشاء الجاهلية - فسواء كان الاعتقاد قائما على تعدد الآلهة ; أو كان قائما على توحيد الإله مع تعدد الأرباب - أي المتسلطين - فهو ينشئ الجاهلية بكل خصائصها الثانوية الأخرى !

ودعوة الرسل إنما تقوم على توحيد الله وتنحية الأرباب الزائفة , وإخلاص الدين لله - أي إخلاص الدينونة لله وإفراده سبحانه بالربوبية , أي الحاكمية والسلطان - ومن ثم تصطدم اصطداما مباشرا بالقاعدة التي تقوم عليها الجاهلية ; وتصبح بذاتها خطرا على وجود الجاهلية . وبخاصة حين تتمثل دعوة الإسلام في تجمع خاص , يأخذ أفراده من التجمع الجاهلي ; وينفصل بهم عن الجاهلية من ناحية الاعتقاد , ومن ناحية القيادة , ومن ناحية الولاء . . الأمر الذي لا بد منه للدعوة الإسلامية في كل مكان وفي كل زمان . .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 284)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت