7-الاستفادة من أوضاع المجتمع: قد يحدث أن تكون هناك أوضاع في المجتمع تمكن الاستفادة منها في نفع الدعوة وحماية الدعاة فلا يجوز للدعاة إهمال ذلك وعدم الانتفاع على أساس أن تلك أوضاع في مجتمع جاهلي أو معادي للإسلام فلا ينبغي العمل بها أو الاستفادة منها، وذلك لأن النظر ينصب على طبيعة الوضع ومدى موافقته للشرع ولا ينظر إليه من جهته الجغرافية أي البقعة التي يكون فيها؛ إذ الحكم على الشيء يعتمد على ما يحمله من أفكار وتصورات وليس على المكان الذي يوجد فيه ، وبالنظر إلى سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك نجده قد استفاد هو وجمع من أصحابه من تلك الأوضاع فقد كانت مكة المكرمة -بل والجزيرة العربية كلها- ينتشر فيها النظام القبلي وفي هذا النظام فإن القبيلة تحمي أفرادها فقد تمتع رسول الله وبعض من أصحابه بذلك وظلوا في حماية قبائلهم فلم يتمكن المشركون من الوصول إليهم وإيذائهم الإيذاء الشديد، وكان من الأمور المتعارف عليها مسألة الجوار وهو أن من نزل في جوار أحد فإنه يحميه من أن يصل إليه أحد بسوء فكان بعض المسلمين الذين لا يجدون قبيلة تحميهم ينزلون في جوار بعض كبراء المشركين فيحمونهم وليس في هذا مخالفة شرعية إذ كل ما فيه أن يتمتع المسلم بالحماية وشعوره بالأمان في التزامه بالإسلام وهذا حقه، وكونه نزل في جوار أحد المشركين فليس في ذلك ما يعاب عليه لأنه لم يفعل ما يخالف الشرع فعندما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يدعو أهلها وردوا عليه بردهم القبيح لم يدخل مكة حينما رجع من هناك إلا في جوار المطعم بن عدي، وكذلك عثمان بن مظعون عندما رجع من هجرة الحبشة الأولى لم يدخل مكة إلا في جوار الوليد بن المغيرة، وأبو بكر رضي الله عنه لما أراد الهجرة إلى الحبشة مما يلاقي من إيذاء قريش لقيه ابن الدغنة وعرف مقصده فعرض عليه الرجوع ودخل معه مكة وقد أجاره، فإذا كان الداعية إلى الله تعالى مضيق عليه وكان في المجتمع الذي يدعو فيه أوضاع أو تنظيمات يمكن الاستفادة منها في الدعوة أو تدفع عنه شرا من غير أن يرتكب في سبيل ذلك شيئا نهت عنه الشريعة فعليه أن يستفيد من ذلك، ورغم أن الأوضاع الجاهلية الأصل فيها البعد عن الشريعة فلا يلزم من ذلك أن يكون رصيد الفطرة عندهم صفرا بحيث لا يكون في أمورهم ما يُقبل شرعا، وهذه قريش رغم ظلمها وطغيانها مع المسلمين إلا أنهم عقدوا فيما بينهم عقدا لنصرة المظلوم ( وكان ذلك قبل البعثة) وهو ما عرف بحلف الفضول قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم"لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو ادعى به في الإسلام لأجبت"وقد تتواجد اليوم في بعض المجتمعات بعض التنظيمات أو المؤسسات التي تحاول القيام بشيء شبيه بما كان في حلف الفضول فلا عيب على الداعية إذا حاول الاستفادة من ذلك، أما إذا ترتب على ذلك مساس بالدين فعلى الداعية أن يكون أبعد شيء من ذلك، ففي قصة أبي بكر المتقدمة لما جهر بالصلاة وقراءة القرآن في مسجد فنائه وخيره ابن الدغنة بين عدم الجهر والاستعلان بالصلاة وبين أن يرد عليه جواره، اختار أبو بكر رضي الله عنه الاستعلان بالصلاة والجهر بقراءة القرآن ورد على ابن الدغنة جواره وقال:"أرضى بجوار الله"