الصفحة 3273 من 3812

8-عدم المداهنة في الحق: كثيرا ما يتعرض أصحاب الدعوات إلى محن وشدائد حتى يخيل لبعض الناس أن من السياسة الحكيمة تجاوز تلك المحن أو الشدائد ولو بالتصريح ببعض الكلمات والجمل التي يكون في ظاهرها مخرج من تلك الشدائد وإن لم يكن ذلك الظاهر مرادا لهم، لكن الناظر في سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله تعالى لا يجد لذلك التصور سندا بل يجد سياسته على العكس من ذلك فقد نزل عليه قول الله تعالى يحذره من المداهنة في الدين ويقول له:"ودوا لو تدهن فيدهنون"فأهل العدواة للدين يريدون من أصحاب الدعوة أن يداهنوهم وهم على استعداد لمكافأتهم على ذلك بمداهنة الدعاة أيضا من باب المقابلة بالمثل فقد عرض الكفار على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعبدوا الله سنة في مقابل أن يعبد آلهتهم سنة فأنزل الله تعالى:"قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون .."الآيات ليقطع الطريق على ذلك التصور بصورة حاسمة، وقد فهم تلك المعني جيدا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وعمل به في أشد المواقف حلكة فقد هاجر هو وجماعة من المسلمين إلى الحبشة عند ملكها النجاشي وكان نصرانيا وقد أرسلت قريش في أثرهم عمرو بن العاص ليردهم من عند النجاشي وحاول عمرو أن يقدم المسوغ الذي يجعل النجاشي يسلم له جعفرا ومن معه فقال له: أنهم يقولون في عيسى قولا عظيما وذلك أن النصارى ترى عيسى عليه السلام إلها أو ابن إله بينما المسيح في العقيدة الإسلامية هو بشر رسول من عند الله تعالى مثله مثل إخوانه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فلما مثل جعفر بين يدي النجاشي وسألهم عما يقولون في عيسى عليه السلام لم يداهن ولم يحاول أن يتلفظ بألفاظ أو كلمات توافق في ظاهرها اعتقاد النصارى بل أجمع على الصدق وعدم المداهنة في الدين وقال نقول فيه الذي جاءنا به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم البتول العذراء فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، ولو حاول جعفر رضي الله عنه أن يداهن لانقلب الأمر عليه وعلى أصحابه ذلك أن اعتقاد النجاشي في عيسى كان اعتقادا صحيحا، فعند الشدائد والأهوال قد يميل الداعية إلى المداهنة ويتلفظ بألفاظ فيها نوع من الترضية لأهل الضلال وإن كان هو يقصد بها في نفسه معاني صحيحة لكن ليست العبرة بما في نفسه هو وإنما بما يفهم الناس من كلامه فلو كان الناس لا يفهمون من ذلك إلا ما يؤيد أهل الضلالة لم تكن تورية الداعية قد حققت إلا تأييد الباطل، وهذا بخلاف ما إذا كان يوري على الأعداء في الحرب أو القتال كما فعل محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه عندما كان يخطط لقتل رجل من اليهود المحاربين وقال له عن رسول الله -وهو يوري- هذا الرجل قد عنانا، وبخلاف ما يقوله الأسير عندما يقع في أيدي الأعداء وكذلك الذي يكره على كلمة الكفر فإن هذا ونحوه ممن قال الله فيهم:"إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"غير أن هناك من الأمور التي قد يظنها الناس مداهنة وهي ليست من ذلك في شيء وإنما هي كلمات حقيقية لا كذب فيها يقولها الداعية يستميل بها النفوس ويؤلف بها القلوب فهذا جعفر رضي الله تعالى عنه يقول للنجاشي بعد ما ذكر ما كانوا يلاقونه من المشركين في مكة:"فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك"

تلك كانت بعض الوقفات القصيرة مع سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله أما تفاصيل تلك السياسة فهي السيرة النبوية بكاملها على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولعلنا نرجع إليها في مناسبة أخرى على نحو أشمل وأكثر تفصيلا

الهوامش

(1) صحيح الجامع، للألباني، رقم 1880 وحسنه.

(1) قد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- بتأييد من الله قادرًا على القيام بذلك بمفرده، ولم يكن الله ليميت رسوله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يكمل تبليغ رسالة ربه، لكن لما كان -صلى الله عليه وسلم- قدوة وأسوة للمسلمين فإنه يسلك الطريق الذي يكون في وسع كل مسلم سلوكه، الطريق الذي يعتمد على الأسباب لا على خوارق العادات؛ لأن هذه ليست في يد المسلم، بحيث يكون تقاعس المسلم عن سلوك ذلك السبيل تقصيرًا يلام عليه، ولا يعني هذا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يكن في هذه السياسة مؤيدًا من الله وأنه كان يتصرف باجتهاده صرفًا، بل هو يجتهد في عمل الأصلح، والوحي يسدده في ذلك

(2) كانت في الأصل: يبالغ، ولعله خطأ مطبعي.

(1) مجموع الفتاوى 20/ 59 - 61.

(1) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، رقم 3343.

(1) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، رقم 2992، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، رقم 3352. قرن الثعالب هو قرن المنازل ميقات أهل نجد. والأخشبان: جبلا مكة أبو قبيس والذي يقابله.

(2) تفسير ابن جرير الطبري 23/30.

منقول من مجلة البيان

السنة التاسعة عشرة * العدد 207* ذو القعدة 1425هـ * ديسمبر/يناير 2005م

نظف أسنانك فستحتاج إليها يوم القيامة

المكان: أرض بيت المقدس.

الزمان: يوم الحساب.

التوقيت: مع اقتراب الشمس من الرؤوس.

المشهد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت