ولكن طبيعة النفوس البشرية، إضافة إلى الظروف العدائية والمؤامرات الكيدية، مع غياب المعالم المتكاملة للحياة الإسلامية، كل ذلك أوجد بعض العلل التي لم تلق - فيما أظن العناية الكافية لأسباب كثيرة من أهمها: ضخامة الأعداد العائدة إلى الله بما لا يوافق القدرة على الاستيعاب الكامل، والتربية الراشدة العميقة، ومنها أيضًا غياب الخطط الاستراتيجية والنظرات المستقبلية لكثرة المشكلات الآنية والمآسي الإسلامية، إضافة إلى أن هناك مبغضين متربصين يسعون لإشاعة الأخطاء واستمراريتها.
لابد أن نعلم أنه ليس من مصلحة الدعوة ولا جيل الصحوة أن نعتمد التزكية المطلقة، فليس هذا موافقا للشرع {فلا تزكوا أنفسكم} .
وليس من الإخلاص في النصح أن نغض الطرف عن الأخطاء، وننكر وجودها، وندس رؤوسنا في الرمال كما تفعل النعامة، فهذا يزيد في الأخطاء، ويساعد على انتشارها، وحينئذ يتسع الخرق على الراقع، ومع ذلك فنحن نربأ بأنفسنا عن ممارسات كتّاب يدعون الموضوعية والمعالجة، وهم يمارسون في الحقيقة التشويه والتشهير، ويستخدمون أسلوب التضخيم والتعميم، ويجتهدون في تتبع العثرات، وإهمال الحسنات، فضلًا عن كونهم لا ينطلقون من منهج إسلامي، وهذا التناول تفيض به أعداد هائلة من الصحف والمجلات العلمانية واليسارية التي لا همّ لها إلا تشويه صورة الإسلاميين، والصاق كل نقيصة وجريمة بمن يطلقون عليهم"الأصوليين"لسنا من هؤلاء في شيء فنحن وإن أردنا النقد، فإنما نرسله من نفوس مشفقة، وقلوب محبة، ونصوغه في أسلوب حسن على منهج القرآن الكريم {بالحكمة والموعظة الحسنة} ويبعد عن الإساءة أو التخصيص على طريقة الرسول الكريم (ما بال أقوام) .
إن الخطر في هذه العلل يكمن في أنها تصيب القلوب والعقول، ونحن نرى في بعض شباب الصحوة بساطة تصل إلى حد السذاجة، وحماسة تصل إلى درجة التهور، كما أن هناك نقدًا ينتهي إلى التجريح، واختلافًا يؤدي إلى التنازع، ولابد والحالة هذه أن تقرع أجراس الخطر، وأن ينتدب أطباء القلوب من العلماء الصالحين، والدعاة المخلصين، والمفكرين الواعين ليشخصوا الحالات ويبحثوا عن الأسباب ويضعوا الحلول الناجحة، ويصفوا الأدوية الناجعة، ثم ليضعوا المناهج الواقية، والخطط الواعية، وهنا دعوة لجميع الغيورين أن يدركوا الخطر وأن يهبوا للعمل، فلابد من الوقاية، فالوقاية خير من العلاج.
الحفاظ على المكتسبات
محمد بن عبد الله الدويش
ثمة مكاسب عدة للدعاة تزيد من فرص تأثيرهم في الميدان الدعوي، هذه المكاسب تتمثل في مؤسسات رسمية أو تطوعية، وهذه المؤسسات تتيح قدرًا أوسع في ممارسة الأنشطة الاجتماعية والإغاثية والدعوية.
وحين يمنحنا المجتمع هذه المؤسسات، ويثق في قيادتنا لها فينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أن رؤية المجتمع وتطلعه لهذه المؤسسات قد تختلف عن رؤيتنا لها، والغالب أن هذا الاختلاف لا يصل إلى حد التناقض والتضاد؛ فهناك مساحات واسعة من الاشتراك والالتقاء، وهناك مساحات أخرى تمثل دائرة الاختلاف، والأخيرة قد يكون الحق في أجزاء منها مع غيرنا.
وحين تتاح لنا المشاركة في هذه المؤسسات فلا ينبغي أن نتجاهل ما يطلبه وينتظره منا المجتمع ونعتقد أننا وحدنا الذين نصنع الرؤية لها، أو نتعامل معها كما نتعامل مع أي مؤسسة شخصية.
إن من حق المجتمع أن يحاسبنا، وأن يراجع مساحة الثقة التي يمنحنا إياها بناء على أدائنا.
ولو اتسع أفقنا فسنرى أن كثيرًا من تطلعات مجتمعاتنا تطلعات مشروعة، وأن من واجبنا الإسهام في تحقيقها والسعي في بناء مجتمعاتنا، دون أن نحصر مشروعنا الإصلاحي في الخطاب الوعظي والدعوي المباشر.
إن الإسهام في الارتقاء بمستوى التعليم في المجتمع، والمشروعات التي تستهدف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتي تسعى للارتقاء بمستوى الخدمات العامة في المجتمع، ومشروعات النفع العام... كل ذلك جزء من إسهامنا الدعوي.
فلئن كانت إعانة الرجل وحمله على دابته، أو رفع متاعه عليها، لئن كان ذلك صدقة فمن باب أوْلى الإسهام في مشروعات ودراسات تحل أزمات النقل التي يعاني منها الناس، وتستهلك أوقاتهم، وترفع مستوى القلق لديهم.
ولئن كان تفريج كربة المسلم عبادة، فكيف بتفريج كربة قرية أو مجتمع؟ وليس ذلك بالضرورة حكرًا على مشروعات إغاثية وصدقات وإن كانت مما يدخل فيه.
إن اتساع أفقنا في مشروعنا الإصلاحي سيدعونا لإعادة النظر في التعامل مع كثير من المؤسسات والمشروعات التربوية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية.
وقد تكون لتلك المكاسب مواقع أو مسؤوليات تتيح لأصحابها توظيف قدر من إمكاناتها في الإصلاح والدعوة.
إن هذا يتطلب منا قدرًا من الواقعية والحكمة في التعامل مع هذه المؤسسات والمواقع، وقد نضطر للانحناء للعاصفة، أو تحمُّل مفاسد مقابل درء ما هو أكبر، أو تفويت مصالح مقابل الإبقاء على ما هو أعظم منها.
وهذا النمط من التعامل لا يعيه أولئك الذين لا يفرقون بين الصورة النظرية التي يرسمونها وبين الواقع الذي يفرض التعامل معه قدرًا من التنازل حين يكون البديل أسوأ حالًا، أو أولئك الذين لا يجيدون التوازن، فيصرون على مصالح تفقدهم ما هو أعظم منها، أو يتورعون عن ارتكاب مفاسد فيقعون فيما هو أعظم، أو أولئك الذين يصرون على تحويل كل مجال ومؤسسة وموقع إلى منبر دعوي مباشر مختزلين بذلك مجالات العمل الدعوي.
رجب 1425هـ * أغسطس / سبتمبر 2004م
الابتلاء في حياة الدعاة (1- 2 )
د. أحمد بلوافي
1 -توطئة: