وإذن فلا مفر ولا محيص من الابتلاء لصاحب كل دعوة إصلاح، بل ولكل صاحب دعوة جادة تحاول تبيان العورات التي عليها القوم وخاصة المتنفذون، حتى وإن كان الداعية لم يشهر السلاح، ولم يدع إلى"قلب"نظام الحكم، أو عدم السمع والطاعة، بل بمجرد أن يشعر من بيده مقاليد الأمور أو حتى من اعتاد على أعراف وعادات معينة أن الرجل جاد في دعوته ومخلص لها، وأن الناس بدأت تتأثر بما يقول. فلينتبه لهذا الأمر الطيبون من الناس وإلى السموم التي ينفثها أعداء الدعاة عندما يقولوا: فلان تسرع، وفلان هيج الناس وغيرها من الأمور حتى يركن الناس إلى وضع لا يرضاه الله ولا رسوله، فليكن مقياسنا الشرع والشرع وحده، لا ما يردده المرجفون والمبطلون لبث الرعب والخوف للحيلولة بين الحق الذي عند الدعاة وبين قطاعات كبيرة من الناس. يقول ابن القيم - رحمه الله - [9] :"ولما صدع [رسول الله] ، بأمر الله، وصرح لقومه بالدعوة، وناداهم بسب آلهتهم، وعيب دينهم، اشتد أذاهم له، ولمن استجاب له من أصحابه، ونالوه ونالوهم بأنواع الأذى، وهذه سنة الله - عز وجل - في خلقه كما قال - تعالى: [ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك] [فصلت: 43] "اهـ. وقال العلياني - حفظه الله - [10] :"ابتلاء دعاة الحق من الرسل صلى الله عليهم وسلم، وأتباعهم أمر لازم لا محيص عنه، يدل على ذلك كتاب الله الكريم وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.."اهـ.
ولهذا عندما سئل الشافعي - رحمه الله: أيما أفضل للرجل، أن يمكن أو يبتلى؟ فقال: لا يمكن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا صلوات الله عليهم أجمعين -، فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم ألبته" [11] فلا تمكين بدون ابتلاء، ولا إصلاح بدون أذى، ولا جنة بدون صعاب]أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب [[البقرة: 214] ."
ومن يطلب الحسناء لم يغله المهر.
يقول شيخ الإسلام - رحمه الله - معلقًا على الحكم من إيراد قصص المتقدمين [12] :"وفي قصص هذه الأمور عبرة للمؤمنين بهم؛ فإنهم لابد أن يبتلوا بما هو أكثر من ذلك، ولا ييأسوا إذا ابتلوا بذلك، ويعلمون أنه قد ابتلي به من هو خير منهم، وكانت العاقبة إلى خير، فيتيقن المرتاب، ويتوب المذنب، ويقوى إيمان المؤمنين، فبها يصح الاتساء بالأنبياء"اهـ.
[1] فبهداهم اقتده للشيخ عبد العزيز الجليل، ص: 204.
[2] نفس المصدر، ص: 203-204.
[3] المجلد الرابع عشر، ص: 83-84.
[4] - زاد المعاد
[5] - إسناده حسن. انظر الفتنة وموقف المسلم منها للسحيباني، ص 40.
[6] ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي، الشيخ سفر الحوالي [1/42] .
[7] الفتنة وموقف المسلم منها في ضوء القرآن، عبد الحميد بن عبد الرحمن السحيباني، ص 24.
[8] المجلد الثالث عشر، ص 317.
[9] - زاد المعاد، المجلد الثالث.
[10] أهمية الجهاد في نشر الدعوة، ص 94.
[11] - الفوائد لابن قيم، ص 269.
[12] - فبهداهم اقتده، ص 20.
جمادى الأولى - 1420 هـ - سبتمبر (أيلول) - 1999 م
أبناء الدعوة بالنسب وأبناؤها بالتبني
الشيخ خالد حمدي
للدعوة ابنان، أحدهما بالنسب والآخر بالتبني، أما الأول فسمته سمتها، ونوره نورها، وبهاؤه بهاؤها، تشعر عندما تراه أنه ربيب القرآن، وخريج جامعته، ينطق الصدق، ويتحرك بين الناس بآداب النبوة، وكأنه كان يعيش مع نبيه- صلى الله عليه وسلم - تحت سقف واحد، إن حضر تعلَّقت بمحيَّاه العيون، وإن غاب اشتاقت إليه القلوب، يغار على حرمات الله أكثر من غيرته على حرماته هو.
يشعر في قرارة نفسه أنه ابن الدعوة الوحيد، وكأنها لم تُنجِبْ إلا هو؛ فهو في المسجد يجمع الناس على الخير، وفي العمل له في قلب كل صاحب له مكان، يعود المريض، ويواسي المجروح، وينصح المخطئ في رفق، وهو بين أهله مصباح البيت، وعافية البدن، وشمس النهار، وللدعوة في قلبه كرسي الملك، نهاره في أمورها، وليله مشغول بها وفيها، جسده بين أهله، وعقله مع الأمة الجريحة، يفكر في أمر شبابها وشيبها، ونسائها وأطفالها، وما يحيط بهم من فتن يدبرها شياطين الإنس والجن..!!
كم بكى ليالي لفلان العاصي، وعلان الشارد، وفلانة الهائمة على وجهها، ناسيةً ربها، ناكبة طريقه!! كم اعتل بدنه من غير علة، وما به من علة إلا جرح المسلمين الغائر من كل منطقة من جسده، دماء المسلمين تنزف من جسده، وتأوهات اليتامى والثكالى تخرج من قلبه، وبيوتهم تُهدم فوق رأسه، يجوعون فيجوع، ويشبعون فيشبع، ماله للدعوة، ووقته للدين، ومع ذلك يقول ما قاله أويس القرني- رحمه الله - بعد أن تصدق بكل ما يملك.. من مال، وطعام، وثياب، حتى جلس في بيته عريانًا.. ثم قال:"اللهم.. أبرأ إليك من كل كبد جائع من أمة محمد في أي مكان".
ذلك هو ابن الدعوة بالنسب، وحقَّ لمثله أن يفتخر بهذا النسب العظيم، الذي حرم منه الملايين وإن ادعوه ونسبوا أنفسهم إليه.
أما ابن الدعوة بالتبني فيعجبك رسمه ومنطقه ورونقه، لكن ما إن تصحبه أيامًا إلا ويتبين لك انطفاءُ نورِ الوجه أو خفوته؛ جرَّاء تركه لأوراده وأذكاره، يُثبت لنفسه الأخلاق باللسان والواقع ينفيها بألف دليل وبرهان، الدعوة حاضرةٌ في كلامه غائبةٌ في أفعاله، ألِفَت نفسُه القعود، وتعوَّد قلبُه الركود؛ فلم يحرك فيه ساكنًا ضياعُ الشباب، ولا سفكُ الدماء، ولا تنكيسُ رايات الحق، وعلوُّ رايات الباطل في كثيرٍ من الميادين..!!