الصفحة 3298 من 3812

إن قيل له أدرِك مالَك هرع وأسرع، وإن قيل له أدرِك دينَك ودعوتَك كأن لم يسمع، ليله رقاد، ونهاره غفلة، وكأن بينه وبين آهات المعذبين وصرخات المكلومين آلافَ الحُجُب، لا يروعه خلوُّ مسجده من لمسات الدعاة، أو فراغُ حيِّه من آثار الهداة، تمتلئ المواخير بالفجار، وتفرغ المساجد من الأطهار، ويهجم الباطل على الحق في بيته وشارعه وعمله ومجتمعه ولا يهتم، ثم يقول لك أنا ابن الدعوة، ونسي هذا المسكين أن النسب له قرائن، وأن التبني حرام في الإسلام، فنسبته للدعوة باطلةٌ حتى وإن اقسم ألف يمين.

فكلٌ يدَّعي وصلًا بليلى *** وليلى لا تُقرُّ لهم بذاكَ

إذا اشتبكت دموعٌ في جفونٍ *** تبيَّن من بكى ممن تباكى

فأدرِك نفسك يا ابن الدعوة، وحقِّق القرائن تظلَّك الدعوة بظلِّها، وتحضنْك مع أهلها..يوم لا ينفع إلا العمل.

هكذا علمنا السلف ( 83 ) امتلاكهم زمام أنفسهم:

د. يحيى بن إبراهيم اليحيى

حدثنا عبد الله حدثنا من سمع حماد بن زيد عن يزد السني أن مورقًا قال: «إني لقليل الغضب، وإنه ليأتي عليّ السنة ما أغضب ولقلّ ما قلت في غضبي شيئًا أندم عليه إذا رضيت» (1) .

هكذا كان جدهم وتيقظهم:

عن إبراهيم التيمي قال: حدثني من صحب الربيع بن خيثم عشرين سنة قال: «فما سمعت منه كلمة عتاب» (2) .

(1) كتاب الزهد للإمام أحمد / 442.

(2) كتاب الزهد للإمام أحمد / 469.

لا تتغير

سلطان العمري

لعلك تعرف (فلان) الذي كان (داعية)

ولكنه الآن في (عالم الدنيا والأموال)

يا ترى

لماذا ترك الدعوة، وأقبل على الدنيا؟

لماذا أعرض عن (نصرة الدين) وأصبح من عباد المال؟

يا ترى

ما حاله وقد ترك ما يحبه الله من الأعمال الدعوية

وأقبل على ما تحبه النفس من التنافس على الدنيا؟

لقد كان من الذين اختارهم الله لتبليغ دينه

ولكنه الآن ممن اختارهم الشيطان لعبادة الدنيا والأموال .

أين أنت؟؟

لقد كنا نسمع منك الكلمات التربوية

والفتاوى العلمية والمواعظ الإيمانية، فأين أنت الآن؟

يا من كنت داعية إلى الله

لقد انحرفت عن أبواب الخير، وأنت الآن في عالم الشهوات قائم على قدميك .

هل ذقت حلاوة الدنيا؟

عجبًا لك

ألم تكن تخبرنا عن حلاوة الأيمان؟

لقد كنت نورًا لنا يضيء لنا الطريق، ولكن نورك غاب وأظلم، فمن لنا؟

نحن نناديك لكي تتوب، وقد كنت أنت تنادينا لكي نتوب .

يا من كنت داعية

يا ترى ما حالك عند الله الآن؟

ما مكانتك عنده في هذه الساعة؟

ذكريات:

أتعرف (فلان) لقد تاب إلى الله - تعالى -، بعد تلك الموعظة التي قلتها،

وهو الآن غير مصدق أنك أنت

(الداعية) الذي اهتدى على يديه .

لقد سألني كثيرًا عنك فلم أكن استطع الإجابة .

أخي الداعية لقد كنت تحذرنا من فتنة الدنيا

وأنت الآن من عشاق الدنيا فعجبا لك

لقد كنت من الذين ينادون بالبذل للدين والإنفاق في سبيل الدعوة

وأنت الآن ممن يبخل عن بذل ريالات في سبيل الدعوة

عجبا لك:

(أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير)

يا حسرتا على تلك الدروس التي ألقيتها

يا حسرتا على تلك المواعظ التي سمعناها منك

يا حسرتا على تلك المطويات التي نشرتها

يا حسرتا على تلك الأشرطة التي وزعتها على الناس

أين أنت من الثبات على المنهج؟

أين أنت من الثبات على الطريق الذي رسمه لنا النبي - صلى الله عليه وسلم -

ومع ذلك فلا نقول إلا

(يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)

باب الرحمة لازال مفتوح

وباب التوبة لازال للطالبين مسموح

أنا أودعك الآن

ولكننا ننتظرك

وداعا يا من كنت داعية

هكذا علمنا السلف ( 82 ) منهج تربوي في معالجة ابن عباس لأهل الشك السائلين عما لا يعنيهم:

د. يحيى بن إبراهيم اليحيى

عن أبي اليقظان قال: «خرج رجل من أسلاف المسلمين يطلب علم السماء ومبدأ الأشياء ومجاري القضاء وموقع القدر المجلوب، وما قد احتجبه الله - عز وجل - من علم الغيوب التي لم ينزل الكتاب بها ولم تتسع العقول لها.

وما طلبه حتى انتهى إلى بحر العلوم ومعدن الفقه وينبوع الحكمة عبد الله بن عباس - رحمه الله -، فلما انتهى بالأمر الذي ارتحله إليه وأقدمه عليه قال له: اقرأ آية الكرسي، فلما بلغ: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ} .

قال: أمسك يا ابن أخي فقد بلغت ما تريد، فقد أنبأك الله أنه لا يحاط بشيء من علمه، قال له الرجل: يرحمك الله إن الله قد استثنى، فقال: {إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ} .

فقال عبد الله: صدقت، ولكن أخبرني عن الأمر الذي استثناه من علمه وشاء أن يظهره لخلقه أين يوجد؟ ومن أين يعلم؟ قال: لا يوجد إلا في وحي، ولا يعلم إلا من نبي، قال: فأخبرني عن الذي لا يوجد في حديث مأثور ولا كتاب مسطور أليس هو الذي نبأ الله لا يدركه عقل ولا يحيط به علم؟ قال: بلى، فإن الذي تسأل عنه ليس محفوظًا في الكتب ولا محفوظًا عن الرسل، فقام الرجل وهو يقول: لقد جمع الله لي علم الدنيا والآخرة فانصرف شاكرًا» (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت