فهرس الكتاب
2 -المستوى النخبوي، وهو ما يتعلق بردود أفعال الطبقة المثقفة التي لها موقعها في المجتمع، وقد تكون النخبة تيارًا فكريًا أو مؤسسة علمية أو ثقافية أو سياسية، وهو أهم المستويات؛ وهنا يبرز الكثير من التحديات، ومنها ضعف المؤسسات الدعوية والإسلامية عمومًا من حيث بناء المواقف والقرارات على الدراسات الاستراتيجية، ومنها اختلاف مناهج وأولويات ورؤى المؤسسات والمدارس الإصلاحية بطريقة تؤثر على طبيعة وشكل ومضمون القرارات والمواقف من التحدي الواحد كل هذا يجعل ردود الفعل هزيلة ومتضاربة.
3 -المستوى المؤسساتي الرسمي في كافة المجتمعات الإسلامية؛ ذلك أن الداعية يجب أن لا يفرط في تحمله المسؤولية كاملة في المساهمة الفعالة في توجيه رد فعلها الدعوي فيما يخص القرارات الداخلية المسهمة في تطوير الخدمات المفيدة للإسلام والمسلمين.
4 -المستوى العالمي؛ ذلك أن العالم اليوم صار كما يقال قرية صغيرة تتأثر وتؤثر، وهو ما يجعل الاهتمام بهذا المستوى وبردود أفعال هذا المستوى غاية في الأهمية كما يجعل الاقتناع بجدوى التأثير على ردود أفعالهم الدعوية غاية في الواقعية.
تعريف بهندسة ردود الأفعال:
من الذين تناولوا هذا الموضوع المهم في كتاباتهم الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار؛ حيث ذكر في تعريف ردود الأفعال ما يلي:
إذا تأملنا في معظم أنشطتنا اليومية وجدنا أنها في الحقيقة ردود أفعال، واستجابات لمطالب وصعوبات وتحديات، ومن خلال تلك الاستجابات نحافظ على وجودنا، ونرقِّي مواهبنا، ونزيد في الإمكانات التي في حوزتنا. وما نسميه ردود أفعال نوع من الآلية التي اعتمدها الناس في حفظ العلاقة بينهم وبين الوسط المحيط ونوع من استثمار تلك العلاقة.
ونوعية الاستجابة للتحديات والمثيرات، تعد تلخيصًا دقيقًا لفهم المستجيب ووضعيته وعمق تقديره لما يترتب على استجاباته من منافع وأضرار. وكلما كان الإنسان أقرب إلى البساطة في الإدراك، والبدائية في الخبرة والمعرفة كانت استجاباته ذات طابع عفوي، وغير واع، مما قد يوقعه أسيرًا في فلك المثيرات.
ومن جهة أخرى فإن تعقُّد الحياة الراهنة جعل خبرات الناس غير كافية لإدراك طبيعة التحديات، وإدراك ما تستحقه من استجابات، مما يعني أننا سنرى المزيد من ردود الأفعال غير الراشدة، وغير المتزنة (1) .
وتحت فصل خاص عن «صور تنافي الموضوعية» في كتابه (فصول في التفكير الموضوعي) خصص الدكتور عبد الكريم بكار الصورة الثانية عشرة لتكون عن: اضطراب ردود الأفعال وما أسماه بـ «فن هندسة ردود الأفعال» . ذكر فيه أن هناك طرقًا خفية وحيلًا بارعة مبتكرة يؤثر الخصم من خلالها على خصمه دون أن يثير ردود أفعاله، ودون جعله يحمل سلاحه دفاعًا عن وجوده «الصيد بشباك من حرير» .
ثم ذكر أن تاريخنا وواقعنا مليء بالمواقف التي أنتجت أقوالًا متطرفة؛ لأنها انبعثت أصلًا في سياق رد الفعل على قول متطرف. (فرق قامت كردة فعل لفرق أخرى) .
العصبية للعرب واحتقار غيرهم في بعض الأزمنة ولّد قيام الحركات الشعوبية ضدهم.
الإقبال على الدنيا والبذخ والترف في القرن الثاني الهجري ولّد رد فعل الزهد في الدنيا والانقطاع عن كثير من أسباب العيش إلى درجة حد التفريط.
نشطت الطورانية في تركيا فكان الرد استيقاظ القومية العربية.
كلما زاد الضغط على جانب «النقل» في المنهج في تاريخنا أدى إلى وجود تيارات عقلية تدير ظهرها للنصوص.
وهذه كلها نماذج وصور لردود أفعال خارجة عن الموضوعية ومجاوزة لحدود القصد والاعتدال.
أهم أسس ترشيد رد الفعل الدعوي:
إن حصر أسس ترشيد رد الفعل الدعوي في هذا المقام مما يتعذر؛ لأن منها ما له علاقة بالتصور والمعتقد، ومنها ما له علاقة بالواقع والتجارب المختلفة؛ غير أنه بالإمكان الوقوف على أهم هذه الأسس مما له أثر على ترشيد رد الفعل الدعوي، ومن أهم هذه الأسس ما يلي:
أهم الأسس في ضوء القرآن الكريم:
الأساس الأول: تأكيد الجانب العقدي في ترشيد رد الفعل الدعوي؛ ذلك لأن وضوح العقيدة والهدف والغاية عاصم من وجود ردود أفعال متهورة مستفَزّة، ومحفزة على الرصانة والتؤدة وحسن تصريف الأمور.
الأساس الثاني: الحاجة إلى بناء النماذج العملية التطبيقية التربوية، وربطها بواقع الحياة وتحدياتها لتوجيه السلوك المناسب في الموقف المناسب؛ مع التركيز على عامل المرونة في تعدد الاحتمالات والإمكانات المتاحة المبنية على توسيع دائرة الإدراك ليتجاوز شراك الوقوع في الصور المختلفة للأسر الذهني وهو ما تقدمه لنا قصة نبي الله موسى والخضر - عليهما السلام - المذكورة في سورة الكهف من الآية 60 إلى الآية 82: