فهرس الكتاب
وها نحن اليوم نفجع مرات أخر بما يحدث في أفغانستان وفلسطين وباكستان والصومال وغيرها من البلدان التي يتهيأ المنافقون فيها لجولة جديدة من قهر الأمة وإذلالها أمام أعدائها بتعلاّت ومسوّغات متعددة، لا يقف خلفها شيء من المبادئ والثوابت إلا الثبات أو الوصول إلى مقاعد السيادة وكراسي القيادة، التي يهون ـ عندهم ـ في سبيلها كل شيء، ويحل لأجل الوصول إليها كل شيء، ويحرم دون المساس بها أي شيء!!... إنه الكرسي الذي يكاد يُعبد، ويُركع له ويُسجد. راقب معي دور النفاق السياسي عبر التاريخ؛ فستجد ذلك الصنم من ذوات الأربع قابعًا خلف كل حركة نفاق خائنة لله ولرسوله وللمؤمنين.
وفي عصرنا، وفي ظل غياب الشريعة عن الحكم في الغالب الأعم من أوطان الإسلام، وفي ظل ضياع الضوابط التي يُختبر بها من يصلح ومن لا يصلح لقيادة المسلمين؛ خلا الجو لكل طاغية أفاك، من أهل النفاق لأن يركب شعبًا من الشعوب بعد الوثوب إلى سدَّة الحكم، عبر طرق ومسالك وعرة، يعرف المنافقون وحدهم كيف يذللونها ويسبرون غورها ويعبرون من فوقها إلى القمة التي لا يسقطهم من فوقها إلا هازم اللذات.
يقوم المنافقون في كل مرة ينجحون فيها في ركوب شعب من الشعوب بدور عدائي مزدوج يستهدف أمرين لا ثالث لهما: استمداد أسباب البقاء على القمة من ظهير خارجي مقابل إمداد ذلك الظهير بأسباب استبقاء المصالح في الداخل الوطني، وما عدا ذلك تفاصيل؛ فكيفية الحكم.. ودستور الحكم... تمثيل الفئات.. النيابة عن الشعب.. المعارضة باسم الشعب... الخطط الخمسية.. المشاريع التنموية.. الصراعات الحزبية... المعارك الجانبية.. خارجية أو داخلية، قصة واحدة والمحصلة في النهاية واحدة وهي دعواهم العريضة: {إنَّمّا نّحًنٍ مٍصًلٌحٍونّ * أّّلا إنَّهٍمً هٍمٍ المٍفًسٌدٍونّ ولّكٌن لاَّ يّشًعٍرٍونّ} [البقرة: 11، 12] . لا فارق كبيرًا بين نفاق الأمس ونفاق اليوم من حيث الجوهر، أما الظروف فقد اختلفت؛ فالنفاق بالأمس البعيد أيام تمكين الدين كان ذُلًا يستخفي، وضعفًا يتوارى، وخضوعًا مقموعًا يمثله عمالقة أقزام ورؤوس أزلام، حيات وعقارب موطوءة تكاد ألاَّ تنفث السم إلا وهي تلفظ الحياة. كان تمكين الدين وقتها يمكِّن المؤمنين من جهاد أولئك الأسافل باليد واللسان والقلب وبإقامة الحدود، فلا يُرى أحدهم إلا وهو محاصر مكدود، أو محدود مجلود. أما اليوم؛ فالنفاق صرح ممرد، وقواعد تتحرك، وقلاع تشيد، إنه اليوم دولة بل دول ذات هيئات وأركان، إنه أحلاف وتكتلات وكيانات، بل معسكرات ذات قوة وسلطان... سلطان سياسي واقتصادي وإعلامي وثقافي، يمارس الضرار في كل مضمار.
نخطئ كثيرًا عندما نظن أن النفاق الذي أفاض القرآن في الحديث عنه، وأسهب في التحذير منه، كان يمثل مرحلة تاريخية انقضت بدخول الناس في دين الله أفواجًا؛ فالعصر الذهبي للبشرية الذي شهدته الأرض أيام الرسالة الخاتمة لم يخل من ظلم النفاق وظلماته؛ فهل تُعصم من ذلك العصور التالية؟! قد يُقال إن النفاق وقتها كان مقموعًا ممنوعًا فلهذا كان يستتر من الدين بالدين، وهو اليوم ليس في حاجة إلى ذلك؛ فاليوم مؤمن وكافر، أو مسلم ومرتد... أقول: إن القرآن الذي أمر النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأتباعَه بجهاد المنافقين والكافرين سيظل يُتلى إلى يوم الدين. بقول الله - تعالى: {يّا أّيٍَهّا النَّبٌيٍَ جّاهٌدٌ الكٍفَّارّ والًمٍنّافٌقٌينّ واغًلٍظً عّلّيًهٌمً ومّأًوّاهٍمً جّهّنَّمٍ وبٌئًسّ المّصٌير} [التوبة: 73] والآية تدل على أن النفاق سيظل موجودًا وسيظل محسوسًا ملموسًا من أشخاص تُرى فيهم آيات النفاق.
والنفاق المقصود في الآية ليس قاصرًا على النفاق ذي المرامي السياسية والأهداف التسلطية، بل هو النفاق بكافة أشكاله وصوره عندما يكون موجهًا إلى ضرر الدين وأصحاب الدين، سواء كان صادرًا من أهل السياسة أو من أهل الثقافة أو أهل الفن والقلم أو حتى بعض المنسوبين للعلم والفتوى في بعض البلدان.
نحن هنا لا نجادل في أن النفاق درجات أو دركات، وأن خطره يتفاوت بتفاوت كبره أو صغره؛ إذ من النفاق ما هو أكبر مخرج عن الملة: ومنه ما هو أصغر لا يخرج عن الملة، وفي كلا الحالين فنحن مأمورون بمجاهدة النفاق ولو كان ساكنًا بين أضلعنا أو مختبئًا بين جوانحنا، ومن ذا الذي يأمن النفاق على نفسه وقد خافه على نفسه الفاروق عمر رضي الله عنه؟! ومن ذا الذي يضمن السلامة منه وقد علَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه التعوذ منه؟!
غير أني لا أقصد هنا إلى التأصيل والتفصيل في مسائل الإيمان المتعلقة بما يخرج أو لا يخرج منه من أعمال الكفر والنفاق، ولا إلى بسط الكلام في أحوال الأعيان من حيث ثبوت أو عدم ثبوت ما يتعلق بهم في ذلك من الأحكام؛ فالأمر الأول يقصر عنه علمي، والآخر يثنيني عنه تقصيري وظلمي، وأسأل الله العفو والعافية لي وللمسلمين، ولكن المقصود التماس نوع من القربى في جهاد صنف من أعداء الدين، طالما غفل أو تغافل عن جهادهم الكثيرون من أصحاب الدين، إما لذهن شارد أو ورع بارد، وهذا وذاك لا يعفيان من مسؤولية الذود عن الدين ضد شؤم النفاق ولؤم المنافقين. فتقصيرنا في جهادهم لا ينفي حقيقة أن جهادهم من فرائض الدين، بل من أجلّ فرائض الدين التي لا تقل شأنًا عن فريضة الجهاد ضد الكافرين.
بين فريضتين:
وصف الإمام الفقيه المفسر (أبو بكر ابن العربي) واجب الجهاد باللسان ضد المنافقين بأنه فريضة دائمة (1) ، وقد تأملت في هذا الوصف، فألفيته وصفًا دقيقًا يحكي فروقًا كثيرةً بين فريضتي جهاد الكفار وجهاد المنافقين من أوجه متعددة: