فهرس الكتاب
ـ منها أن جهاد الكفار يجيء ويذهب باختلاف الأزمنة والأمكنة، وبحسب وجود دواعيه ومسبباته من مداهمة الكفار لبلدان المسلمين، أو فتح المسلمين لمعاقل الكفار الصادين عن سبيل الله، أما المنافقون فجهادهم قائم ودائم في السلم والحرب؛ لأن أذاهم للدين موصول في السلم والحرب.
ـ ومنها أن عداء المنافقين ـ في الغالب ـ مستتر خفي، وعداء الكفار معلن جليّ، ولا شك أن المستعلن بالعداء يعطي من يعاديهم فرصة للتحفز والاستعداد وأخذ الحذر، بخلاف من يتآمر في الخفاء، ويموه العداء.
ـ ومنها أن خطر المنافقين ينطلق من الداخل بين صفوف المسلمين، بينما يجيء خطر الكفار الظاهرين في أكثر الأحيان من الخارج، وخطر الخارج لا يستفحل دائمًا إلا بمساندة من الداخل.
ـ ومنها أن عداوة المنافقين شاملة لا تقتصر على جانب دون جانب، فهي تبدأ من الكلمة همزًا ولمزًا وسخرية وغمزًا وتنتهي إلى الخيانة العظمى بالقتال في صف الكفار وتحت راياتهم والتآمر معهم على المسلمين وكشف أسرارهم.
ـ ومنها أن جهاد الكفار قد يكون عينيًا أو يكون كفائيًا، وقد يسقط بالأعذار أو الإعذار، أما جهاد المنافقين فهو غير قابل للسقوط إذا وجدت مسوغاته، فهو واجب على كل مكلف بحسبه، ففي الحديث عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلم قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسننه ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (1) .
ـ لهذا فإن جهاد المنافقين المأمور به في قوله - تعالى: {يّا أّيٍَهّا النَّبٌيٍَ جّاهٌدٌ الكٍفَّارّ والًمٍنّافٌقٌينّ واغًلٍظً عّلّيًهٌمً ومّأًوّاهٍمً جّهّنَّمٍ وبٌئًسّ المّصٌير} [التوبة: 73] ، يبدأ بالقلب حتى ينتهي إلى السيف.
هم العدو:
المتأمل في قوله - تعالى - عن المنافقين: {هٍمٍ العّدٍوٍَ فّاحًذّرًهٍمً قّاتّلّهٍمٍ اللَّهٍ أّنَّى يٍؤًفّكٍونّ} [المنافقون: 4] يرجع بمعنىً مهم، وهو أنه إذا كان المشرك الوثني عدوًا، والكافر الكتابي عدوًا، والمرتد المنقلب على عقبيه عدوًا؛ فإن المنافق المتزندق هو العدو، وحزبه الممالئين له في النفاق الأكبر (هم العدو) . قال المفسر ابن عاشور - رحمه الله - في تفسير تلك الآية: «والتعريف في (العدو) تعريف الجنس الدال على معين، لكمال حقيقة العدو فيهم، لأن أعدى الأعادي: العدو المتظاهر بالموالاة وهو مدَّاح، وتحت ضلوعه الداء الدوي، وعلى هذا المعنى رُتب عليه الأمر بالحذر منهم (2) ، ولم يجاف ابن عاشور الحقيقة عندما أرجع وصف القرآن للمنافقين بـ (العدو) إلى «كمال حقيقة العدو فيهم» ، وكيف لا تكمل حقيقة العداء في هؤلاء وهم ـ كما قال ابن الجوزي - رحمه الله: «عيون الأعداء على المسلمين» (3) ، لا بل إن هؤلاء ليسوا فقط عيون الأعداء بل قلوبهم وألسنتهم، كما ذكر الإمام الطبري في تفسير (هم العدو) حيث قال: «هم العدو يا محمد فاحذرهم؛ فإن ألسنتهم إذا لقوكم معكم وقلوبهم عليكم مع أعدائكم، فهم أعين لأعدائكم عليكم» (4) .
لقد أفاضت نصوص الوحي ـ كتابًا وسنة ـ في تحذير المؤمنين من النفاق وأهله، بعد إسهاب طويل في كشف خباياهم وفضح نواياهم وهتك أسرارهم وطواياهم، حتى إن آيات الكتاب قد صرحت بذكر النفاق والمنافقين في نحو سبع وثلاثين آية، وفصَّلت وفرَّعت في الكلام عنهم في أضعاف ذلك من الآيات موزعة على إحدى عشرة سورة، هذا في الحديث عن المنافقين باسمهم ووصفهم الصريح (النفاق) .
يضاف إلى هذا حديث آخر مطول عمن وُصفوا في القرآن بـ (الذين في قلوبهم مرض) وهم الرديف والمدد، والمخزون الطويل الأمد لمعلومي المنافقين؛ فقد ذكر القرآن مرضى القلوب في اثنتي عشرة آية ضمن اثنتي عشرة سورة، وكل آية ذكر فيها ذلك تتعلق بها آيات أخر. والمتأمل في حديث القرآن عن مرضى القلوب يمكنه أن يستنتج أن هؤلاء لديهم الاستعداد لأن يكونوا منافقين معلومي النفاق بما لديهم من أمراض الشهوة أو الشبهة؛ فهم قوم ضعاف الإيمان إلى أدنى حد، حتى إن أحوالهم تكاد تتقلب أو تنقلب إلى معسكر النفاق الصريح، لفرط قنوطهم وقلة يقينهم، ولشدة تعلقهم بالدنيا وحرصهم على الجاه، أو لمزيد شحّهم الخالع وجبنهم الهالع الذي يجعلهم كلما خُيِّروا بين الانتصار للدين والقيم أو الانتصار للناس أو النفس ما ترددوا في الانحياز إلى ما يخدم مصالحهم العجلى فقط؛ ولذلك قرن الله مرض القلوب بالمنافقين في أكثر مواضع القرآن.