الصفحة 3327 من 3812

إن مرضى القلوب يمارسون لونًا صارخًا من التطرف ذي الاتجاهين؛ فهم يتطرفون في بُغض أهل الدين وإساءة الظن بهم، ويبالغون ـ إلى حد التطرف أيضًا ـ في الدفاع عن الكفار وحسن الظن بهم، وهذا هو جوهر مرض القلوب: التطرف وعدم الاعتدال، يقول الراغب الأصفهاني عن ذلك الداء: «هو الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان» (1) وقال بعد أن قسم المرض إلى قسمين: أحدهما مرض الجسم، والثاني مرض القلب: «والثاني عبارة عن الرذائل كالجهل والجُبن والبخل والنفاق وغيرها من الرذائل الخُلقية» . وإذا أُطلق مرض القلب في نصوص الوحي فهو يعني في الغالب النفاق الأكبر ـ عياذًا بالله ـ وذلك حينما يستحكم ويستعصي علاجه، وهي حالة الكفر نفسها التي تموت فيها القلوب إلا أن يحييها الله - تعالى - بهداية من عنده. قال الأصفهاني: «ويشبه النفاق والكفر ونحوهما من الرذائل بالمرض لكونها مانعة عن إدراك الفضائل، كالمرض المانع للبدن من التصرف الكامل، وإما لكونها مانعة عن تحصيل الحياة الأخروية، وإما الميل النفسي بها إلى الاعتقادات الرديئة» (2) .

إن المنافقين ومرضى النفوس لا يتيسر علاج أدوائهم من داخل أنفسهم ـ في غالب الأحيان ـ لفقدان الوازع وغياب الضمير، ولكن لما كانت عللهم متعدية في الضرر إلى غيرهم، لزم توجيه علاجهم من خارج ذواتهم لا طلبًا لبرئهم هم بقدر ما هو لأجل حفظ الناس من شرور أمراضهم، وهذا ـ والله أعلم ـ السر في إيجاب مجاهدتهم والإغلاظ عليهم في قول الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {يّا أّيٍَهّا النَّبٌيٍَ جّاهٌدٌ الكٍفَّارّ والًمٍنّافٌقٌينّ واغًلٍظً عّلّيًهٌمً ومّأًوّاهٍمً جّهّنَّمٍ وبٌئًسّ المّصٌير} [التوبة: 73] . فكما أن الغلظة على الكافرين مطلوبة، فكذلك الغلظة على المنافقين، ولهذا قال القاسمي: (واغًلٍظً عّلّيًهٌمً) : «أي على كلا الفريقين بالقول والفعل» (3) ، وهذا لا يمنع من مواجهة شُبه المنافقين وطعونهم بالدلائل والبراهين و «بإلزامهم الحجج وإزالة الشبه» ، وكذلك «بإقامة الحدود عليهم إذا صدر منهم موجبها» (1) ؛ فهم أكثر الناس وقوعًا فيما يوجب الحد لعدم ورعهم وقلة ارتداعهم، ولهذا قال الحسن في تفسير الآية: «جهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم» ، وقال قتادة بقوله، ووجَّها قولهما بأن المنافقين أكثر من يصيب الحدود (2) . ولكن ابن العربي في تفسيره لم يرتض هذا القول ولا توجيهه، ووصف ذلك القول بأنه «دعوى لا برهان عليها، وليس العاصي بمنافق، إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامنًا، لا بما تلتبس به الجوارح ظاهرًا، وأخبار المحدودين يشهد سياقها أنهم لم يكونوا منافقين» (3) ، لكني أرى أن اعتراض ابن العربي لا يسلم له؛ لأن القائلين بأن المنافقين يجاهَدون بإقامة الحدود لم يقصدوا أن كل من تقام عليهم الحدود هم من المنافقين، ولكنهم قصدوا أن المنافقين هم أكثر الناس إصابة للذنوب التي تستوجب إقامة الحدود، وهذا صحيح؛ لأن هؤلاء لا يمنعهم من اقتراف الذنوب وإظهارها في دار الإسلام إلا عز الإسلام وإقامة الحدود، ولهذا فإن المنافقين

يكونون في صراع مع أنفسهم لكيلا يقعوا في موجبات إقامة الحدود عليهم. فجهاد المنافقين بإقامة الحدود هو نوع من جهادهم باليد؛ لأن جهادهم يشمل الجهاد بالقلب واللسان واليد كما قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ في تفسير (جّاهٌدٌ الكٍفَّارّ والًمٍنّافٌقٌينّ) : «بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه؛ فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه» (4) . ولكن المشكلة هنا أن المنافقين اليوم هم أول من ضيَّع إقامة الحدود وعطل الحكم بها والتحاكم إليها.

وقد حكى الطبري أقوالًا أخرى في معنى الآية تدور حول الاقتصار في جهاد المنافقين على اللسان، ثم اتجه ـ كعادته ـ إلى الترجيح بين الأقوال واختيار ما يراه أولى بالصواب فقال: «وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب ما قال ابن مسعود من أن الله أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - من جهاد المنافقين بنحو الذي أمره من جهاد المشركين، فإن قال قائل: فكيف تركهم - صلى الله عليه وسلم - مقيمين بين أظهر أصحابه مع علمه بهم؟ قيل: إن الله ـ - تعالى - ذِكره ـ إنما أمر بقتال من أظهر منهم كلمة الكفر، ثم أقام على إظهاره ما أظهر من ذلك، وأما من إذا اطُّلع عليه منهم أنه تكلم بكلمة الكفر وأُخذ بها أنكرها ورجع عنها وقال إني مسلم؛ فإن حكم الله في كل من أظهر الإسلام بلسانه أنه يحقن بذلك دمه وماله وإن كان معتقدًا غير ذلك» (5) .

فجهاد المنافقين إذن ـ إذا أظهروا الكفر الجلي بقول أو فعل ـ أن يجاهدوا مثل جهاد الكفار. قال ابن كثير - رحمه الله: (روي عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: «بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربعة أسياف: سيف للمشركين: {فّإذّا انسّلّخّ الأّشًهٍرٍ الحٍرٍمٍ فّاقًتٍلٍوا المٍشًرٌكٌينّ} [التوبة: 5] ، وسيف لكفار أهل الكتاب: {قّاتٌلٍوا الذٌينّ لا يٍؤًمٌنٍونّ بٌاللَّهٌ ولا بٌالًيّوًمٌ الآخٌرٌ ولا يٍحّرٌَمٍونّ مّا حّرَّمّ اللَّهٍ ورّسٍولٍهٍ ولا يّدٌينٍونّ دٌينّ الحّقٌَ مٌنّ الذٌينّ أٍوتٍوا الكٌتّابّ حّتَّى يٍعًطٍوا الجٌزًيّةّ} [التوبة: 29] ، وسيف للمنافقين: {يّا أّيٍَهّا النَّبٌيٍَ جّاهٌدٌ الكٍفَّارّ والًمٍنّافٌقٌينّ واغًلٍظً عّلّيًهٌمً} [التوبة: 73] ، وسيف للبغاة {فّقّاتٌلٍوا التٌي تّبًغٌي حّتَّى تّفٌيءّ إلّى أّمًرٌ اللَّهٌ} [الحجرات: 9] » ، ثم قال ابن كثير:(وهذا يقتضي أن يجاهدوا بالسيوف إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن جرير) (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت