فهرس الكتاب
وهنا نقول: إذا كان واقع المسلمين اليوم في أكثر الأحوال لا يسمح بجهاد المنافقين بإقامة الحدود أو الإغلاظ عليهم لكف شرهم فلا أقل من تعويض ذلك بجهادهم باللسان وما يقوم مقامه من كل وسيلة ترد ما يستطاع من كيدهم للدين وإلا فإن ذلك النفاق سيظل يتوحش ويطغى حتى يهدد بهدم معالم الإيمان والدين في كل بلاد المسلمين، والجهاد المطلوب يشترط فيه أن يكون وفق الضوابط الشرعية والموازنة بين المصالح والمفاسد، المهم ألا ينسحب الترك العام لجهاد الكفار إلى ترك عام لجهاد المنافقين.
إن فقهاء الإسلام وعلماءه، عندما تحدثوا عن أحكام جهاد المنافقين، لم يفترضوا واقعًا خياليًا، بل تحدثوا عن واقع عاشته الأمة الإسلامية معهم منذ أن وُضعت لبنات مجتمعها الأول في المدينة المنورة، وصفحات السيرة والتاريخ تقطر بمواقف مخزية لحزب المنافقين الذي ظهر أول ما ظهر في مجتمع الطهارة والنقاء الأول في عهد الرسالة، ولم يستح ذلك الصنف من الناس أن يكون له حزبه وجنده في أطهر مكان وأفضل زمان في تاريخ الإنسان؛ ففي حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أطلت ظاهرة النفاق برأسها لتعلن أن خطرها لن يستثني زمانًا دون زمان ولا مكانًا دون مكان بل ولا إنسانًا دون إنسان، ولو كان هذا الإنسان هو خير البشر وسيد الرسل - صلى الله عليه وسلم -؛ ففي أخطر لحظات الدعوة الإسلامية وأدق المراحل التي واجهت فيها أعداءها الخارجيين؛ كان حزب النفاق بالمرصاد لهذه الدعوة في صف أعدائها، وقد أفاض القرآن في عرض مواقف المنافقين في تلك المراحل، ونحن بحاجة إلى جمع أبرزها في موضع واحد، ليتجسد معنا معنى قول الله ـ - تعالى - ـ لنبيه - صلى الله عليه وسلم - عن هؤلاء: {هٍمٍ العّدٍوٍَ فّاحًذّرًهٍمً قّاتّلّهٍمٍ اللَّهٍ أّنَّى يٍؤًفّكٍونّ} [المنافقون: 4] . ولنعلم أنه إذا كان هذا هو خطر النفاق في مجتمع النبوة، فكيف يكون شأنه في غيره.
المنافقون وخذلان المسلمين:
بعد أن عزمت قريش على الثأر لهزيمتها في بدر الكبرى، علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بنواياهم وتحركاتهم، واستقر الأمر بعد المشورة ألا يمكث المسلمون في المدينة للدفاع عنها بل يخرجوا للقاء قريش قبل أن تهجم على المدينة، وهذا ما لم يكن زعيم المنافقين آنذاك (عبدالله بن أُبي بن سلول) موافقًا عليه، وجاءت قريش بجمع حاشد من ثلاثة آلاف مقاتل بكامل الإعداد والعتاد، وكان جيش المسلمين لا يزيد على ألف مقاتل في موقف دفاع، وبينما كان الفريقان يستعدان للنزال في معركة فاصلة، إذا بزعيم النفاق ينخذل عن جيش المسلمين بثلاثمائة من قومه، ليعود للقعود في المدينة، معللًا خذلانه للمسلمين بقوله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أطاعهم وعصاني» فلحق بهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن حرام يناديهم: «يا قوم! أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر عدوكم» . ولكن هيهات أن يستجيب قوم ينتظرون ظرف الانتقام من الدعوة وأهلها لدعوات الرجولة والمروءة. ولهذا قال لهم ذلك الصحابي عندما علم خستهم وانتهازيتهم: «أبعدكم الله أعداء الله» (1) إن مصالحهم الأنانية الآنية ونجاتهم الشخصية وسوء ظنهم بالله ـ - تعالى - ـ جعلهم يخذلون المسلمين في هذا الظرف الدقيق متعللين بأن رأيهم لم يُحترم وكلامهم لم يؤخذ به؛ ولهذا فإن مشاركتهم لن تتم، وكأن المشورة يُشترط فيها ترجيح قولهم على قول غيرهم..!
يصور القرآن هذا المشهد ويحكي هذا التصرف في معرض حديثه عن غزوة أحد: {وطّائٌفّةِ قّدً أّهّمَّتًهٍمً أّنفٍسٍهٍمً يّظٍنٍَونّ بٌاللَّهٌ غّيًرّ الحّقٌَ ظّنَّ الجّاهٌلٌيَّةٌ يّقٍولٍونّ هّل لَّنّا مٌنّ الأّمًرٌ مٌن شّيًءُ قٍلً إنَّ الأّمًرّ كٍلَّهٍ لٌلَّهٌ يٍخًفٍونّ فٌي أّنفٍسٌهٌم مَّا لا يٍبًدٍونّ لّكّ يّقٍولٍونّ لّوً كّانّ لّنّا مٌنّ الأّمًرٌ شّيًءِ مَّا قٍتٌلًنّا هّا هٍنّا} [آل عمران: 154] .
وقد عد القرآن هذه المواقف الانتهازية من المنافقين أكبر من مجرد جبن من جبناء، أو عدم مسؤولية في نفوس رعناء، إنه أخطر من ذلك، إنها خيانة لأهل الإسلام بإسلامهم إلى الأعداء، وتعريض الدين إلى خطر الضياع أو الضعف؛ وتعريض حَمَلته للاستئصال؛ ومن أجل هذا عُدَّت إعانة الكفار على المسلمين أو تمكينهم منهم مسارعة إلى الكفر ونصرة له، ولهذا قال الله - تعالى - لنبيه بعد أن سجَّل على المنافقين جرمهم: {ولا يّحًزٍنكّ الذٌينّ يٍسّارٌعٍونّ فٌي الكٍفًرٌ إنَّهٍمً لّن يّضٍرٍَوا اللَّهّ شّيًئْا يٍرٌيدٍ اللَّهٍ أّلاَّ يّجًعّلّ لّهٍمً حّظَْا فٌي الآخٌرّةٌ ولّهٍمً عّذّابِ عّظٌيمِ * إنَّ الذٌينّ اشًتّرّوٍا الكٍفًرّ بٌالإيمّانٌ لّن يّضٍرٍَوا اللَّهّ شّيًئْا ولّهٍمً عّذّابِ أّلٌيمِ} [آل عمران: 176، 177] . ويشاء الله - تعالى - أن تجري المقادير في غزوة أحد على نحو لم يفرح به المؤمنون، ولكن كان وراء ذلك حكمة بالغة سيقت في معرض الخطاب القرآني عن مصيبة أحد: {مّا كّانّ اللَّهٍ لٌيّذّرّ المٍؤًمٌنٌينّ عّلّى مّا أّنتٍمً عّلّيًهٌ حّتَّى يّمٌيزّ الخّبٌيثّ مٌنّ الطَّيٌَبٌ ومّا كّانّ اللَّهٍ لٌيٍطًلٌعّكٍمً عّلّى الغّيًبٌ ولّكٌنَّ اللَّهّ يّجًتّبٌي مٌن رٍَسٍلٌهٌ مّن يّشّاءٍ فّآمٌنٍوا بٌاللَّهٌ ورٍسٍلٌهٌ} [آل عمران: 179] ، فهل كان بوسع المؤمنين أن يستظهروا ما خفي من بواطن المنافقين لولا تلك الشدائد؟
المنافقون ومناصرة اليهود: